وقعتُ في شبهة نذر، تتعلق بالتبرع بأيِّ أموال تعطيني إيَّاها أختي، ومن باب الاحتياط قررتُ ألا آخذ منها أيَّ أموال؛ كي لا أضطر إلى أن أتبرع بها، وبعد فترة من هذه الواقعة فكرتُ في الأمر، وقلتُ لنفسي: إن الأمر ينبغي ألا يقتصر على الأموال فقط، بل ينبغي أن ينطبق أيضًا على أيِّ حاجة تعطيني إيَّاها أختي ـ أي ينبغي أن يسري على أيِّ شيء تعطيني إيَّاه أختي ـ فهل تلفظي بكلٍّ، وعبارة أيّ حاجة أوقعني في النذر على اعتبار أن فكرة النذر كانت موجودة في ذهني عند تلفظي بهما، ومن ثم؛ يمكن اعتبارهما من ألفاظ الكناية التي ينعقد بها النذر في حال وجود نيَّة، ومن ثم؛ فينبغي عليَّ أن أتبرع بأيِّ هدايا، أو أيِّ أشياء عينية تعطيني إيَّاها أختي؟ وهل يمكنني أن أتحلل من هذا الأمر بأن أعتبر أيَّ شيء تعطيني إيَّاه أختي لا يزال ملكًا لها، حتى وإن انتقل إلى حوزتي، ومن ثم؛ لا يلزمني النذر، ولا يلزمني التبرع به، على اعتبار أنه لا نذر لابن آدم فيما لا يملك؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فغفر الله لك، وعافاك من بلاء الوسوسة، فارفق بنفسك، وأعرض عن التفكير في موضوع النذر بالكلية، وكف نفسك عن تتبع خواطره، فما سألت عنه سابقًا وأجبناك يكفي ويزيد.

واعلم أن داء الوسوسة لا يعالج بكثرة والتعمق، وإنما يعالج بالإعراض عنه بالكلية، واستمع لهذه النصيحة الذهبية، فقد سئل ابن حجر الهيتمي عن داء الوسوسة، هل له دواء؟

فأجاب بقوله: له دواء نافع، وهو الإعراض عنها جملة كافية، وإن كان في النفس من التردد ما كان، فإنه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت بل يذهب بعد زمن قليل، كما جرب ذلك الموفقون، وأما من أصغى إليها، وعمل بقضيتها، فإنها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم، كما شاهدناه في كثيرين ممن ابتلوا بها، وأصغوا إليها وإلى شيطانها... فتأمل هذا الدواء النافع الذي علمه من لا ينطق عن الهوى لأمته، واعلم أن من حرمه فقد حرم الخير كله؛ لأن الوسوسة من الشيطان اتفاقًا، واللعين لا غاية لمراده إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال، والحيرة، ونكد العيش، وظلمة النفس، وضجرها، إلى أن يخرجه من الإسلام وهو لا يشعر: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا {فاطر : 6}... وذكر العز بن عبد السلام، وغيره نحو ما قدمته، فقالوا: دواء الوسوسة أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطاني، وأن إبليس هو الذي أورده عليه، وأنه يقاتله، فيكون له ثواب المجاهد؛ لأنه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فر عنه. اهـ.

والله أعلم.