والد أبي وزع التركة في حياته، وظلم أبي ظلمًا واضحًا، وكتب كل التركة لعمي الوحيد، وهي بالملايين، وباءت كل المحاولات من أهل الخير بالفشل مع جدي، وعمي، ونحن في حاجة لهذا المال، فهل يجوز استرداد حقنا بالقوة من عمي -حيث إننا نستطيع ذلك- أم نترك الموضوع ونفرط في حقنا الشرعي؟ علمًا أننا حاولنا كثيرًا حل الموضوع بالحسنى، وفشلت جميع المحاولات.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن تقسيم الأب ماله بين أبنائه وبناته في حال حياته يعتبر هبة، ولا يعتبر تركة؛ لأنه لم يتحقق موت المورث، ولا يجوز على الراجح تفضيل بعض الأبناء على بعض في العطية؛ لما جاء عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه -: أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه.

وفي لفظ: فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقته، فقال: فعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. متفق عليه.

وفي رواية لمسلم قال: فأشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء، قال: بلى؟ قال: فلا إذن.

وقال عليه الصلاة والسلام: سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء. رواه البيهقي، وغيره.

وقد استدل بعض أهل العلم بهذا على وجوب التسوية بين الأولاد في العطية، وعلى بطلانها إذا هي وقعت على خلاف ذلك، وممن قال بهذا إسحاق، والثوري، وصرح به البخاري، وهو قول عن الإمام أحمد.

وذهب الجمهور إلى أن التسوية بين الأولاد مندوبة، وحملوا الأمر الوارد بها في الأحاديث على الندب، كما حملوا النهي الثابت في رواية مسلم بلفظ: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء، قال: بلى، قال: فلا إذن ـ حملوا هذا النهي على التنزيه.

وقد اختلف العلماء فيما إذا مات الواهب ولم يعدل في هبته بين أولاده هل تمضي الهبة إذا حازها الموهوب له أم يجب عليه أن يردها وتقسم بالعدل؟ وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في الفتوى رقم: 301984، فراجعها.

ومن هنا يعلم بأن مسألة استرداد هذا النوع من الحقوق لا بد من الرجوع فيها للسلطات الشرعية، فهي التي لها سلطة قطع النزاع، وفض الخلاف، وهي التي يمكنها تنفيذ ذلك، دون أن تترتب عليه مفسدة أعظم.

 والذي نوصي به هؤلاء الإخوة الآن أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم، وفي الرحم التي جعلها الله تعالى بينهم، وليتذكروا سرعة زوال الدنيا، وحقارتها عند الله تعالى، فهي بحذافيرها لا تساوي أن يضحي الإنسان في سبيلها بالرحم التي قال الله تعالى في حقها في الحديث القدسي: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك.

فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على إصلاح ذات بينكم، واحذروا أسباب الشحناء والشقاق.

والله أعلم.