السؤال:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته،،،

بارك الله بكم إخواني، وجزاكم عنا خير الجزاء، وأسأل الله العلي القدير أن يحشرني وإياكم مع نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم.

 أما بعد: فهل للصديق صلة رحم؟ وإذا كان له صلة رحم؟ هل يجوز وصله وهو ماجن يكلم البنات على الشات، ولايتلفظ إلا البذيء من الكلام؟ مع أني نصحته مرارًا وتكرارًا، ولكن دون جدوى، فأنا - الآن - قد هجرته لله، وأسأل الله أن يهديه, هل ما قمت به صواب أم خطأ؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فالصديق ليس له صلة رحم؛ لأنه لا يدخل في مسمى الرحم الذين هم كل قرابة من النسب، كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأجداد والجدات وإن علوا، والأولاد وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات،  وأبناء الأعمام والعمات والأخوال والخالات.

ولكن للصديق حقوق أخرى، مثل:  محبته في الله - عز وجل - والتعاون معه على البر والتقوى، والاجتهاد له بالنصح، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، إلى غير ذلك من أنواع البر التي يصعب حصرها في تلك الفتوى، وقد وردت أحاديث كثيرة في السنة تنبه على حق الصديق والأخوة في الله نذكر منها:

ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس».

عنه عند مسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه».

وفي "الصحيحين" عن البراء قال: «أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام وتشميت العاطس،  ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق».

قال الإمام الغزالي: "قال الأحنف: حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثًا: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة. وقال آخر: ما شتمت أحدًا قط؛ لأنه إن شتمني كريم، فأنا أحق من غفرها له، أو لئيم، فلا أجعل عرضي له غرضًا، ثم تمثل، وقال:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأُعرض عن شتم اللئيم تكرُّما

وقد قيل:

خذ من خليلك ما صفا ودع الذي فيه الكَدَرْ

فالعمر أقصر من مُعاتبة الخليل على الغِيَرْ

 

ومهما اعتذر إليك أخوك، كاذبًا كان أو صادقًا، فاقبل عذره". انتهى من إحياء علوم الدين (2 / 185).

هذا؛ وقد أحسنت - جزاك الله خيرًا - على هجر صديقك في الله، بعد إصراره على أفعاله الشائنة، ولم يرعوِ بنصحك إياه؛ لأن أفضل الأعمال، الحب فى الله، والبغض فى الله؛ كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث أبى ذر.

قال شيخ الإسلام: "الهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات. والثاني: بمعنى العقوبة عليها.

النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يُظهر المنكرات، يُهجَر حتى يتوب منها؛ كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون الثلاثةَ الذين خلفوا، حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يَهجُر من أظهر الخير، وإن كان منافقًا، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير، والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع. وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: "إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون"؛ فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله.

فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخُفيته، كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشرُّ والهاجرُ ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحةً على مصلحته، لم يُشرعِ الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا؛ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف قومًا ويَهجُر آخرين". "مجموع الفتاوى" [28 /203] مختصرًا.