السؤال:

أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الصوم، ولكنهم سيصومون ويؤذن المغرب ويأكلون، فتقوى شهوتهم، فيقومون بالاستمناء، فكيف تتحقق فائدة الصوم للشباب الثائر فى شهوته؟  

 

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: 

فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستطيع الزواج على الصوم كمخرج شرعي يقلل من الشهوة ويعين على غض البصر بدلاً من الطرق المحرمة الأخرى ـ والتي منها الاستمناء ـ وهذا فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

ومعنى: «فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»: الوجاء هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع.

والصوم الذي يضعف الشهوة ليس صيام يوم أو يومين، بل الصوم المتكرر الكثير، وهذا من مجاهدة النفس للاستقامة على غض البصر وحفظ الفرج، وعاقبة المجاهدة هي الهداية، كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

ولكن الأمر يحتاج إلى يقين وصبر.

ثم إن أثر الصوم قد لا يحدث في باديء الأمر، بل بعد مدة من الصيام، قال الحافظ ابن حجر: قَوْلُهُ: "«فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، مُقْتَضَاهُ أنَّ الصَّوْمَ قَامِع لِشَهْوَة النِّكَاح، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَزِيدُ فِي تَهْيِيجِ الْحَرَارَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يُثِيرُ الشَّهْوَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ فَإِذَا تَمَادَى عَلَيْهِ وَاعْتَادَهُ سَكَن ذَلِكَ. وَاللَّه أَعْلَمُ". "فتح الباري".

وكذلك فإن الذي يجعل الصوم لا يؤتي ثماره عند كثير من الشباب أنهم لم يفهموا المقصود من الصوم.

يقول الشيخ ابن جبرين ـ رحمه الله ـ في شرحه لعمدة الأحكام: "وقد ذكر لنا كثير من الشباب أنهم يكثرون الصوم ومع ذلك لم يجدوا خفة في الشهوة، بل الشهوة لا تزال عندهم قوية، والغلمة والشبق دافع قوي، ويقول أحدهم: ما وجدت للصيام أثراً لتخفيف الشهوة.

نقول: سبب ذلك أولاً: قوة الشهوة في بعض الشباب، حيث تكون الشهوة عندهم قوية جداً.

ثانياً: أن هناك مقويات لها، فلا شك أن كثرة المآكل، وتنوع الأطعمة، وكثرة اللحوم، وأكل الفواكه وما أشبهها مما يقوي الشهوة، وكان الصوم في القديم مختلفاً عن وقتنا، كان الصائم إنما يجد العلقة من الطعام، فيأكل في وقت السحر لقيمات أو تمرات قليلة، ثم هو في وسط النهار يشتغل إما في حرفته أو مع غنمه أو نحو ذلك، ثم إذا جاء الإفطار لم يجد إلا تمرات أو ماءً أو نحو ذلك، وعند العشاء إنما يأكل رغيفاً أو نصف رغيف، فيكون هذا الجوع هو الذي يكسر حدة الشهوة.

فنقول: الذي يريد أن تنكسر حدة الشهوة عليه أن يقلل من الأكل عند الإفطار وفي السحور وفي الليل، وأن يتجنب المشتهيات، وكثرة الفواكه، واللحوم المتنوعة، وأنواع المأكولات الشهية، فإنها لاشك تقوي هذه الشهوة وتمكنها، فلا يخففها الصيام الذي لا يحصل معه هذا الجوع، ولا هذا التعب ولا هذه المشقة، وعلى كل حال فهو إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يخفف الشهوة، إلى أن يتمكن الإنسان من النكاح الذي يعف به نفسه". انتهى .

ومما يعين على تحقيق أثر الصوم أيضاً أن يصوم الشاب عن المعاصي، فليس الصوم الحقيقي هو ترك الحلال من الطعام والشراب فقط مع عدم غض البصر، والذهاب إلى أماكن الفتنة والاختلاط بالنساء وغير ذلك مما يقوي الشهوة، ونحن نجزم بأن من داوم على الصيام المنضبط بضوابط الشرع فسينفعه الصيام ويقلل شهوته ويعينه على حفظ فرجه، لأن خبر الرسول صلى الله عليه وسلم خبر صادق، وإذا لم يجد بعض الشباب ثمرة الصيام فالخلل في صيامهم.

فاستعن بالله أيها الشاب، واعزم على الصيام الذي ينفع، والمصاحب لآداب الشرع في الأكل والشرب وفي غض البصر، وتذكر أن الصيام الذي تصاحبه المعاصي والمنكرات لا ينفع صاحبه، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ»؛ رواه أحمد والدارمي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وحسنه العراقي وصححه الألباني.

وكذلك يجب الابتعاد عن الاستمناء، فهو مما يؤذي ولا ينفع، ويثير ولا يسكن الشهوة، مع تحريمه عند جماهير العلماء.

واسأل الله العفة والاستقامة، وإذا أمكنت فرصة للزواج فسارع، ونسأل الله لكم التوفيق والهداية.

والله أعلم.