هل يوجد من العلماء من لا يقبل الحديث الحسن؟ وهل يوجد من لا يقبل الحديث الصحيح لغيره؟. وجزاكم الله خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن مبحث الحديث الحسن من المباحث المشكلة في علوم الحديث، لاختلاف العلماء اختلافا طويلا في ماهية الحديث الحسن وتعريفه، كما قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: وفي تحقيق معناه اضطراب. اهـ.

وأما ما يتعلق بالخلاف في الاحتجاج بالحديث الحسن: فقد حرر ابن حجر هذه القضية في كتابه النكت على كتاب ابن الصلاح، وخلاصة تحقيقه: أن بعض أنواع الحسن الاحتجاج بها محل اتفاق، وهو ما يسميه ابن حجر الحسن لذاته، وبعض أنواعه الأخرى ليست محل وفاق في الاحتجاج بها، قال ابن حجر: وذلك أن المصنف ـ ابن الصلاح ـ وغير واحد نقلوا الاتفاق على أن الحديث الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح وإن كان دونه في المرتبة، فما المراد على هذا بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على ذلك؟ هل هو القسم الذي حرره المصنف وقال: إن كلام الخطابي ينزل عليه ـ وهو قوله: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا: سلامته من أن يكون معللا ـ أو القسم الذي ذكرناه آنفا عن الترمذي مع مجموع أنواعه التي ذكرنا أمثلتها، أو ما هو أعم من ذلك؟ لم أر من تعرض لتحرير هذا، والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول دون الثاني، وعليه أيضا يتنزل قول المصنف أن كثيرا من أهل الحديث لا يفرق بين الصحيح والحسن كالحاكم، فأما ما حررناه عن الترمذي أنه يطلق عليه اسم الحسن من الضعيف والمنقطع إذا اعتضد، فلا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه ولا دعوى الصحة فيه إذا أتى من طرق، ويؤيد هذا قول الخطيب: أجمع أهل العلم أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به ـ وقد صرح أبو الحسن ابن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في كتابه: بيان الوهم والإيهام ـ بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه وعضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن، وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفا يأباه. اهـ.

ويعلم من هذا أيضا أن الصحيح لغيره أولى أن يكون متفقا على الاحتجاج به، لأن الصحيح لغيره ما هو إلا الحديث الحسن لذاته إذا تعددت طرقه، فإذا كان الحديث الحسن لغيره متفقا على الاحتجاج به، فالحديث الصحيح لغيره أحرى أن يكون كذلك، لأن الحديث الصحيح لغيره أرفع درجة من الحديث الحسن لذاته، وراجع للفائدة الفتويين رقم: 281503، ورقم: 305935.

والله أعلم.