اختلف المفسرون في قصة سليمان في سورة ص عن الخيل، وإسناد القول لابن عباس أنه مسح رقابها ضعيف؛ لأنه منقطع، وإسناد السدي، والحسن البصري أنه ضرب أعناقها وعراقبيها أصح، واختار المفسرون القولين، وكلٌّ نصر قوله بأدلته، فما الصحيح الراجح من القولين؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن القصة التي أشرت إليها محل خلاف بين علماء التفسير, والذي عليه أكثرهم ـ هو القول المنسوب لابن عباس ـ أن سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد ضرب أعناق الخيل, وسوقها بالسيف؛ لكونها قد شغلته عن طاعة الله تعالى, يقول الخازن في لباب التأويل: رُدُّوها عَلَيَّ ـ أي: ردوا الخيل علي: "فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ" ـ جمع ساق، "وَالْأَعْناقِ" أي: جعل يضرب سوقها، وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس، وأكثر المفسرين، وكان ذلك مباحًا له؛ لأن نبي الله سليمان لم يكن ليقدم على محرم، ولم يكن ليتوب عن ذنب، وهو ترك الصلاة بذنب آخر، وهو عقر الخيل، وقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله تعالى على عقره الخيل؛ إذ كان ذلك أسفًا على ما فاته من فريضة ربه عز وجلّ، وقيل: إنه ذبحها، وتصدق بلحومها، وقيل: معناه إنه حبسها في سبيل الله تعالى، وكوى سوقها، وأعناقها بكَيِّ الصدقة. انتهى.

وقد رجح الشوكاني أيضًا هذه الرواية، حيث قال في فتح القدير: والمراد أنه طفق يضرب أعناقها، وسوقها، يقال: مسح علاوته، أي: ضرب عنقه، قال الفراء: المسح هنا القطع، قال: والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها، وأعناقها؛ لأنها كانت سبب فوت صلاته، وكذا قال أبو عبيدة، قال الزجاج: ولم يكن يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له، وجائز أن يباح ذلك لسليمان، ويحظر في هذا الوقت، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، فقال قوم: المراد بالمسح ما تقدم، وقال آخرون -منهم الزهري، وقتادة-: إن المراد به المسح على سوقها، وأعناقها لكشف الغبار عنها حبًّا لها، والقول الأول أولى بسياق الكلام، فإنه ذكر أنه آثرها على ذكر ربه حتى فاتته صلاة العصر، ثم أمرهم بردها عليه ليعاقب نفسه بإفساد ما ألهاه عن ذلك وما صده عن عبادة ربه، وشغله عن القيام بما فرضه الله عليه، ولا يناسب هذا أن يكون الغرض من ردها عليه هو كشف الغبار عن سوقها، وأعناقها بالمسح عليها بيده، أو بثوبه، ولا متمسك لمن قال: إن إفساد المال لا يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا مجرد استبعاد باعتبار ما هو المتقرر في شرعنا، مع جواز أن يكون في شرع سليمان أن مثل هذا مباح، على أن إفساد المال المنهي عنه في شرعنا إنما هو مجرد إضاعته لغير غرض صحيح، وأما لغرض صحيح فقد جاز مثله في شرعنا، كما وقع منه صلى الله عليه وسلم من إكفاء القدور التي طبخت من الغنيمة قبل القسمة، ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة، ومن ذلك ما وقع من الصحابة من إحراق طعام المحتكر. انتهى.

 والله أعلم.