أنا فتاة أحب الكلاب كثيرًا؛ لشكلها الجميل، ولطافتها، ووفائها للإنسان، وأتمنى وأحلم أنني عندما أتزوج يكون عندي بيت له حديقة صغيرة وأشتري كلبًا صغيرًا أعتني به، وألعب معه، وأعامله كصديق وفي، وأنا أعاني من اكتئاب أحيانًا، وأحب أن أقتني كلبًا ليملأ وقتي، ويشغلني، ولا أحب الحيوانات الأخرى كثيرًا، كالقطط، والطيور، لكنني تضايقت كثيرًا عندما سمعت أنه من الحرام اقتناء الكلاب، فهل من الحرام حقًّا أن أقتني كلبًا صغيرًا، وأضعه في الحديقة دون إدخاله المنزل، بعيدًا عن مكان الصلاة؟ ويمكنني أن أراقبه من بعيد، وأغتسل بعد لمسه للتأكد من الطهارة، وقبول الصلاة، فهل هذا لا يجوز أيضًا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فننبهك أولًا إلى أنه يجب على المسلم أن يجعل هواه تبعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث الذي ذكره النووي في الأربعين، وحسنه: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به.

فالمؤمن يحب ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويجعل هواه تابعًا لشرع النبي صلى الله عليه وسلم، عالمًا أن ما شرعه الله لعباده هو الرحمة، والحكمة، والمصلحة.

فإذا تقرر هذا؛ ففي المباح غنية وسعة عن هذا الأمر الذي تحبينه، وتتمنين فعله، فإن اتخاذ الكلاب لغير حاجة محرم في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: اقتناء الكلاب محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد، أو حرث، أو ماشية، انتقص من أجره كل يوم قيراط ـ وهذا يدل على تحريم اقتناء الكلاب من غير الحاجات المذكورة في الحديث؛ وذلك لأن العقوبة المرتبة على الفعل إما أن تكون فوات محبوب، أو حصول مكروه، وهذه العقوبة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام فوات محبوب؛ لأن النقص من الأجر يقتضي فوات محبوب للشخص، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام استثنى هذه الثلاثة: الصيد، والحرث، والماشية؛ وذلك لأن الإنسان محتاج إلى كلب الصيد يصطاد عليه، ومحتاج إلى كلب الماشية يحميها من الذئاب والكلاب، ومحتاج إلى كلب الحرث يحمي الحرث من البهائم التي ترتع فيه، وما شابه هذه الحاجات فإنه مثلها؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلين، فإذا قدر أن شخصًا في بيت بعيد عن البلد، وهو محتاج إلى كلب يحرس البيت لينبه أهل البيت فيما لو أقبل عدو أو سارق أو ما أشبه ذلك، فإنه مثل صاحب الحرث، والماشية، والصيد، لا حرج عليه إن اقتناه لهذا الغرض.

وأما الذين يقتنونه لمجرد الهواية، كما يفعله بعض السفهاء الذين يقلدون الكفار من غربيين أو شرقيين، فإنهم خسروا دينًا، ودنيا:

أما خسران الدين: فإنه ينتقص من أجرهم كل يوم قيراط.

وأما خسران الدنيا: فإن هذه الكلاب التي يقتنونها تكون بأثمان باهظة في الغالب، ثم إنهم يعتنون بها اعتناءً بالغًا أشد من اعتنائهم بأنفسهم وأولادهم، وذكر لي أنهم ينظفونها كل يوم بالصابون، ويطيبونها، ويشترون لها أطيب المأكولات، وهذا من السفه العظيم؛ لأن هذا الكلب لو صببت عليه مياه البحار، وجميع ما في الدنيا من الصابون، وغيره من المطهرات لم يطهر أبدًا؛ لأن نجاسته عينية، والنجاسة العينية لا تزول ما دامت العين باقية؛ ولهذا أنصح إخواني المسلمين أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتجنبوا مثل هذه الترهات، التي لا يكتسبون من ورائها إلا الإثم، والخسران في الدنيا والآخرة. انتهى.

وإذا تقرر لك ما ذكرناه؛ فجاهدي نفسك، ووطنيها على بغض هذا الأمر الذي حرمه الشارع، وسيعينك الله إن جاهدت نفسك، ووطنتها على حب ما يحب الله، وبغض ما يبغضه؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا {العنكبوت:69}.

والله أعلم.