أنا شاب أحب أن ألعب كرة القدم في بلدتنا، وأثناء اللعب يحدث بعض المنكرات، منها سب لرب الكرة أو دينها... وهذا السب يأتي فجأة، ومن ثم يسكت قائله، فهل يشرع لي الاستمرار باللعب، لقوله عز وجل: حتى يخوضوا في حديث غيره؟ وهل ما يقولونه يعتبر من السب الصريح؟ وهل أنا مثلهم، مع العلم أنني لا أضحك ـ والعياذ بالله ـ عندما أسمع ما يقولون؟ بينوا لي القول الراجح في هذه المسألة، لأنني كلما أخرج من الملعب أنطق الشهادتين لأجدد إسلامي.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن سب دين الكرة وما شابهها من الجمادات ليس كفرا إذا لم يقصد به قائله سب دين الله تعالى، وقد سئل الشيخ عبد الله بن جبرين: عن رجل يكتب على ورقة، وفي أثناء الكتابة أخطأ في بعض الكلمات، فانزعج كثيراً من ذلك، ومن شدة غضبه سبَّ دين وسماء القلم والورقة، فهل يعتبر سِباب دين القلم، أو الورقة، أو الحجر، أو الشجر أو الكرسي، أو الكأس، أو.... إلخ من هذه الأشياء، هل يعتبر كفراً؟ فأجاب: لا شك أن هذا السب حرام، ولو قيل إِن القلم والورقة لا يدينان بالدين الذي هو العبادات، لكن معلوم أن الدين واحد، وأن الله تعالى هو الذي سخر هذه الأقلام والأدوات ويسر استعمالها، فيخاف أن السب يرجع إلى الله تعالى، فعليه التوبة والاستغفار، وعدم العودة إلى مثل هذا. اهـ.

 وأما عن سب رب الكرة: فإن من قصد سب الله تعالى فهو كافر مرتد, قال ابن قدامة في المغني: ومن سب الله تعالى كفر سواء كان مازحا أ وجادا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ {التوبة:65ـ66}.
وأما من كان لا يقصد الله تعالى بكلامه، فلا يكفر، فقد ذكر أهل العلم أن من صدر منه كلام يحتمل الكفر وغيره، فهذا لا يحكم بكفره، ما لم يقصد بكلامه الكفر، قال علي القاري في شرح الشفا: قال علماؤنا: إذا وجد تسعة وتسعون وجهًا تشير إلى تكفير مسلم، ووجه واحد إلى إبقائه على إسلامه، فينبغي للمفتي، والقاضي أن يعملا بذلك الوجه، وهو مستفاد من قوله عليه السلام: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو، خير له من أن يخطئ في العقوبة ـ رواه الترمذي، والحاكم. اهـ.

وعلى اعتبار الساب كافرا فلا يكون السامع كافرا بذلك، لأن مجرد السكوت عن الإنكار ليس كفرا مخرجا من الملة، وإن كان صاحبه آثما إن ترك الإنكار مع القدرة.
وأما عن الاستمرار باللعب: فيجوز إن نهيت عن المنكر، ولا يجوز مع التفريط في إنكار المنكر، فقد قال ابن عطية رحمه الله: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. اهـ.

يقول الشيخ ابن سعدي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم أو يسكت عنهم وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون {الأنعام:69}. انتهى كلامه رحمه الله.

وعليك بالبعد عن الوسوسة والاسترسال مع الشيطان فيها، فإن ذلك هو أنجع الوسائل المعينة على السلامة منها.

والله أعلم.