أبي إنسان كبير في السن، وقررنا أن نزوجه، ولكن له طباع لا تحتمل، ومن سيبحث له عن زوجة نساء من الأقارب، وأنا على ثقة أنهن سيقلن لها: إنه صعب، أو عليك تحمله، ولكن لن يبينّ لها بالضبط حقيقته، فكل همي أنها عندما تتزوجه وتجده كذلك ستتأذى، وأكون أنا وأختي السبب، فهل نحن آثمتان بهذا الزواج، أم ليس علينا ذنب باعتبار أنه من الممكن أن يتغير بوجود هذه الزوجة، أو يمكن أن تستمر الحياة بشكل مختلف، أو لأنه غيب ولا ندري ماذا سيحدث؟ مع العلم أن ظننا بنسبة 80 بالمائة أنه لن يتغير، وأنه سيؤذيها، ولكن زوجناه لتجنب الأمر الأسوأ، وهو أن نرحل ونتركه وحيدًا؛ لأنه لا يوجد معه سوى الدمار، فهل يجوز لنا الاستمرار في هذا الزواج؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فقد أحسنتم في مسعاكم - نسأل الله لكم التوفيق - واعلموا أنه لا يستبعد أن يتغير حال أبيكم إلى الأحسن إذا زوجتموه من امرأة صالحة، عاقلة، حكيمة، رشيدة؛ فالزوجة مؤثرة تأثيرًا بالغًا على زوجها، خاصة إذا كانت كبيرة السن، فابحثوا له عن زوجة فيها هذه المواصفات، أو ما أمكن منها، وسترون ما يسركم -إن شاء الله تعالى-.

 وإخباركم من تجهل حال أبيكم بحاله عند التقدم لخطبتها، أنفع لكم وله، وأحرى لكم أن تجدوا من تصلح له، وتستطيع التأثير عليه، إضافة إلى أن ذلك هو مقتضى النصح للمسلمين، وهو ما أرشدت إليه السنة الصحيحة، ففي الصحيحين عن جرير البجلي -رضي الله عنه- قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. وفي صحيح مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».

 وقد نصّ بعض العلماء على وجوب بيان عيوب الخاطب، ولو لم يطلب المشورة، قال الرملي الشافعي في نهاية المحتاج: وَمَنْ اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ، أَوْ نَحْوِ عَالِمٍ لِمَنْ يُرِيدُ الِاجْتِمَاعَ بِهِ، أَوْ مُعَامَلَتَهُ هَلْ يَصْلُحُ أَوْ لَا؟ أَوْ لَمْ يُسْتَشَرْ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، أَنْ يُخْبِرَ بِهِ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهُ مُطْلَقًا ... ذكر وجوبًا- كما في الأذكار، والرياض، وشرح مسلم، كفتاوى القفال، وابن الصلاح، وابن عبد السلام- مساوئه الشرعية، وكذا العرفية. اهـ.

وفي فتوحات الوهاب- وهو في الفقه الشافعي أيضًا- قوله: ...وروى الحاكم، أن أخًا لبلال خطب امرأة، فقالوا: إن يحضر بلال، زوجناك، فحضر بلال، فقال: أنا بلال، وهذا أخي، وهو امرؤ سيئ الخلق والدين. قال الحاكم: صحيح الإسناد. اهـ.

فعلى هذا؛ فمن لم يخبرها بحاله أثم.

والأولى على كل حال؛ أن يُبَين لها ذلك، فقد توجد من تكون لها مصلحة راجحة في زواجها منه، وصبرها عليه، أو يمكنها مداراته، واتقاء شره.

ولا تنسوا الدعاء له بأن يصلح الله عز وجل حاله، وأن يلهمه رشده، ويرده إلى صوابه.

وينبغي أيضًا أن تسلطوا عليه من يمكنه نصحه، ويرجى أن يقبل قوله.

والله أعلم.