حضرة المفتي، أتمنى من فضيلتك المساعدة في هذا المعقد، الذي سبب لي عقدة في حياتي. وما شجعني على البوح به، هو عنوانكم المبشر: "سعادة تمتد". لقد كنت شخصا سيئا للغاية، ومجرما، وكنت أزني بفتاة، وتزوجتها دون توبة، أو استبراء، وعند العقد ذهبت بها مع أمها إلى المأذون، وكانت معه مساعدته، وهي أنثى، وأيضا كانت معي خالتي، ولم يكن معنا أي رجل غيري، وغير المأذون، وقد اقترح هو علينا مبلغ المهر، وقال بأنه مجرد اقتراح ليس إلا، في إشارة إلى أنه لا دخل له، ووافقت عليه، ثم قرأ علينا ما كتبه في العقد، من صيغة، ومهر، وطلب منا التوقيع عليه، ثم وقعت أنا والزوجة، ثم سألته: هل أصبحنا زوجين؟ فقال: نعم، ثم سألتني الزوجة: هل تقبل بي زوجة؟ قلت: نعم، وسألتها أنا أيضا: هل تقبلين الزواج بي؟ فقالت: نعم أقبل، وسألتها مرة أخرى، فقبلت مجددا، وسألتني فقبلت، كل هذا أمام ذلك المأذون الذي ذهبنا إليه، وأمام أمها، والكاتبة، وخالتي. وتركنا العقد للمأذون ليذهب به إلى المحكمة، بعد أن أعطانا الوصل، لكننا لم نقم بتوكيله كولي للزوجة، ولم يكن أحد طرفي العقد في مجلس العقد، وتم الدخول دون إشهاد، ولا استبراء؛ لأنني كنت جاهلا تماما، وكنت أعتقد أن هذا الزواج صحيح دون شك، ثم طلقتها المرة الأولى، وجامعتها دون نية إرجاعها، رغم ظني بأنه حرام، وبعد مدة قصيرة راجعتها، ثم اكتشفت أنها قد تكون حاملا من ذلك الوطء دون نية إرجاعها، وقد تكون قبله، وقد سألت حينها عن حكم الولد، فقيل لي إنه يُنسب لي حتى لو كان من الحمل دون نية الرجعة؛ لأنها في عدتها، ومن ثم بدأت أتغير فعلا، وشكرت الله، وتبت، وأقلعت عن المعاصي، وأصبحت ملتزما. وبعد سنين طلقت زوجي للمرة الثالثة، على أساس أن العقد صحيح، وتركتها تذهب لرجل آخر، رغم أن هذا كان صعبا للغاية، ولكن قبل أيام فقط صدمت عندما علمت أن زواجي أصلا قد يكون باطلا، وأرهقتني الوساوس، ماذا لو أن ذلك المأذون لا يصلح للشهادة، أو تلك الصيغة غير صحيحة، ماذا لوكان الحمل نشأ من ذلك الوطء دون نية الرجعة؟ لقد تدمرت نفسيا وجسديا، وندمت كثيرا. أعلم أنني كنت مجرما، ولا أستحق حتى التواجد في موقعكم المحترم، لكن أتمنى من سماحتك الإجابة، خاصة وأنني نادم تائب، ومستعد لأي حد شرعي، ومنكسر للغاية. هل هذا زواج صحيح في مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه؟ وماحكم هذا الولد؟ وأكرمك الله على سعة صدرك، وصبرك، وحلمك.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فلا ريب أن الزنا من أفحش الذنوب، ومن أكبر الكبائر، والزواج له شروط، وأركان، لا يصحّ شرعاً بدونها. لكن مهما عظم الذنب، فإن من سعة رحمة الله، وعظيم كرمه، أنه يقبل التوبة، بل إن الله يفرح بتوبة العبد، ويحب التوابين، ويبدل سيئاتهم حسنات.

  والتوبة تكون بالإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العود إليه، مع الستر على النفس، وعدم المجاهرة بالذنب. فاحرص على تحقيق التوبة الصادقة، والإنابة الخالصة إلى الله تعالى، فالحمد لله الذي منَّ عليك بالهداية، والرجوع إلى رشدك، والانتباه من غفلتك قبل أن يبغتك الأجل، فتلك نعمة عظيمة من الله تعالى.

 وبخصوص سؤالك: فالذي نراه أنه لا داعي الآن للخوض في المسائل المذكورة في ؛ نظرا لتشعب الخلاف في بعضها، وتعدد الاحتمالات، وعلاقتك بهذه المرأة قد انتهت حسب ما تقول، والذي يهم في الموضوع هو صحة نسبة الولد.   

وعليه؛ فنقول: إن الولد لاحق نسبه بك، ولا إشكال في ذلك حتى عند من لا يصحح هذا النكاح، أو لا يرى الرجعة بالجماع بغير نية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا، مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ ....: فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَيَتَوَارَثَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. الفتاوى الكبرى.

وقال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-: لكن على هذا القول، لو أنه جامعها بغير نية الرجوع، وأتت بولد من هذا الجماع، فهل يكون ولداً له؟

الجواب: نعم، يكون ولداً له؛ لأن هذا الوطء وطء شبهة؛ لأنها زوجته، ولم تخرج من عدتها. الشرح الممتع على زاد المستقنع.

والله أعلم.