السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ،

أنا شابٌّ عمري 25 عاماً، متخرجٌ حديثاً، أعملُ، لم يبقَ ليَ الكثيرُ للزواجِ بخطيبتي، الناسُ كلُّهم يشهدونَ بأخلاقي، وحُسنِ تعامُلي، والحمدُ للهِ، لكن لديَّ مشكلةٌ كبيرةٌ تؤرقني، وهيَ عدمُ صلاتي، كنتُ أصلي ثمَّ بدأتُ بالإهمالِ، ثمَّ أصبحتُ أصلي ثمَّ أتوقف، أما الآن، فلي حَوالَي عامٍ لمْ أصلِّ، أعرفُ أنَّ ذلكَ صعبٌ، ومنَ الكبائرِ التي لا تُغْتَفَرُ، لا أريدُ أن أجعلَ مشكلتي عامةً، أريدُ أن أوضحَ أيضاً أنَّ لي عائقينِ يمنعانِنِي منْ أدائِها:

الأولُ : وهيَ العادةُ السريةُ التي لازمتْنِي 13 عامًا، ثمَّ كَسَلِي عن الاغتسالِ لكثرةِ العادةِ، وبالتالي عدمُ الصلاةِ، وأنا أعلمُ أني لو توقفتُ عن العادةِ سأصلي، كما يفعلُ الناسُ، ليسَ لي رفقاءُ سوءٍ، ولا أصدقاءُ أصلاً  شيخنا الكريمُ، أعنِّي على أمري بالمشورةِ، لا أريدُ أن أموتَ كافرًا، متحسرًا، إني دائمُ الدعاءِ للهِ ليساعدَني، لكن بدونِ حركةٍ مني ومحاولاتٍ فلن أوَفَّقَ؟

أنتظرُ إجابتَكم والسلامُ.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فنسألُ اللهَ أن يهديَكَ، ويأخذَ بناصيتِكَ إلى صراطِهِ المستقيمِ، واعلمْ أنهُ قدْ سبقَ لنا عدَّةُ فتاوى في حكمِ ممارسةِ العادةِ السريةِ، منها "حكمُ العادةِ السرية", "العادةِ السريةِ وتأخيرُ الزواجِ" فلتُراجعْ. 

وأما تركُكَ للصلاةِ منْ أجلِ ممارستِكَ لتلكَ العادةِ السيئةِ، وتركُ الاغتسالِ فهوَ الطامةُ الكُبْرى، والمصيبةُ العُظْمى، وقدْ جمعتَ بينَ سوأتينِ عظيمتينِ ، فالصلاةُ لا تُترَكْ على أيِّ حالٍ، مهما كانَ يصاحبُها منْ ذنوبٍ، ولو أديتَ الصلاةَ على وجهِها، مستحضراً عظمةَ ربِّكَ - عزَّ وجلَّ - ومتفكرًا في ما تتلوهُ منَ الآياتِ، نهتْكَ صلاتُكَ عنْ هذا المنكرِ وغيرِهِ منَ المنكراتِ؛ مصداقاً لقولهِ – تعالى -: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45].

ولِمَا رواهُ أحمدُ وغيرُهُ من حديثِ أبي هريرةَ، قيلَ لهُ: "إن فلانًا يصلي الليلَ كلَّهُ، فإذا أصبحَ سَرَقَ! فقال: سينهاهُ ما تقولُ، أو قالَ: ستمنعُهُ صلاتُهُ".

قالَ - صلى اللهُ عليهِ وسلمَ -: «وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها»؛ رواهُ أحمدُ  والترمذيُّ.

قالَ شيخُ الإسلامِ في "مجموعِ الفتاوى" (ج 4 / ص 263):

"وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، قَدْ يَمْتَنِعُ بِذَلِكَ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا مِنْ جِهَةِ اجْتِمَاعِهِمَا؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ ضِدُّ الْكُفْرِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ضِدُّ السَّيِّئِ، فَلَا يَكُونُ مُصَدِّقًا مُكَذِّبًا، مُحِبًّا مُبْغِضًا، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ اقْتِضَاءِ الْحَسَنَةِ تَرْكَ السَّيِّئَةِ؛ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: {إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، وَهَذَا مَحْسُوسٌ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَهُ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ لَهُ مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ نَفْسُ الْإِيمَانِ بِتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَبِعَذَابِ اللَّهِ عَلَيْهَا بِصَدِّ الْقَلْبِ عَنْ إرَادَتِهَا؛ فَالْحَسَنَاتُ إمَّا ضِدُّ السَّيِّئَاتِ، وَإِمَّا مَانِعَةٌ مِنْهَا، فَهِيَ إمَّا ضِدٌّ وَإِمَّا صَدٌّ.

وَإِنَّمَا تَكُونُ السَّيِّئَاتُ عِنْدَ ضَعْفِ الْحَسَنَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْهَا؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ»".

وقالَ - رحمهُ اللهُ - (ج 3 / ص 361):

"وَهَكَذَا الْمُذْنِبُ الْعَاشِقُ وَنَحْوُهُ، هُوَ مَرِيضٌ، فَلَيْسَ الرَّأْفَةُ بِهِ وَالرَّحْمَةُ أَنْ يُمَكَّنَ مِمَّا يَهْوَاهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا يُعَانَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ تَرْكِ مَا يَنْفَعُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ الَّتِي تُزِيلُ مَرَضَهُ، قَالَ - تَعَالَى -: {إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}؛ أَيْ: فِيهَا الشِّفَاءُ، وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ.

بَلْ الرَّأْفَةُ بِهِ أَنْ يُعَانَ عَلَى شُرْبِ الدَّوَاءِ، وَإِنْ كَانَ كَرِيهًا: مِثْلُ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ، وَأَنْ يُحْمَى عَمَّا يُقَوِّي دَاءَهُ، وَيَزِيدُ عِلَّتَهُ وَإِنْ اشْتَهَاهُ.

وَلَا يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ لَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمُحَرَّمِ؛ يَسْكُنُ بَلَاؤُهُ، بَلْ ذَلِكَ يُوجِبُ لَهُ انْزِعَاجًا عَظِيمًا، وَزِيَادَةً فِي الْبَلَاءِ وَالْمَرَضِ فِي الْمَآلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سَكَنَ بَلَاؤُهُ، وَهَدَأَ مَا بِهِ عَقِيبَ اسْتِمْتَاعِهِ؛ أَعْقَبَهُ ذَلِكَ مَرَضًا عَظِيمًا عَسِيرًا لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ، بَلْ الْوَاجِبُ دَفْعُ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا، قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الدَّاءِ الَّذِي تَرَامَى بِهِ إلَى الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَلَمَ الْعِلَاجِ النَّافِعِ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ مِنْ أَلَمِ الْمَرَضِ الْبَاقِي".اهـ

قالَ البيضاويُّ في تفسيرهِ:

"فإنَّ القارئَ المتأملَ قدْ ينكشفُ بهِ بالتَّكْرارِ ما لمْ ينكشفْ لهُ أولَ ما قرعَ سمعَهُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمْنُكَرِ}، بأنْ تكونَ سبباً للانتهاءِ عن المعاصي حالَ الاشتغالِ بها وغيرِها، منْ حيثُ إنها تذكِّرُ اللهَ، وتورِّثُ النفسَ خشيةً منهُ". اهـ.

وراجعِ الفتوى: "حكمُ تاركِ الصلاةِ"، "حكمُ قضاءِ الصلاةِ التي تُركتْ عمدًا".

وعليهِ؛ فالذي ننصحكَ بهِ، هوَ المبادرةُ بالتوبةِ قبلَ حلولِ الأجلِ، فتكونَ منَ الذينَ قالَ اللهُ فيهمْ: يَ {وْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا}  [الأحزاب:66].

وأكثِرْ مِنْ فعلِ الطاعاتِ والنوافلِ، ولو كنتَ قادرًا على إتمامِ الزواجِ في أسرعِ وقتٍ فافعلْ، وإلَّا فعليكَ بالإكثارِ منَ الصومِ، كما أمرنا الرسولُ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - فقالَ: «يا معشرَ الشبابِ، منِ استطاعَ منكُمُ الباءةَ فليتزوَّجْ، ومَنْ لمْ يستطِعْ، فعليْهِ بالصَّومِ؛ فإنَّهُ لهُ وجاءٌ»؛ رواهُ البخاريُّ.

وراجعْ استشارة "كيفيةَ التوبةِ وشروطِها", "لماذا لا أصلي؟!"،،

الله أعلم.