السؤال:

السلامُ عليكم ياشيخَنا الفاضلَ:

ما الحكمُ لو جمعتُ صلاتَيِ المغربِ والعشاءِ تقديمًا؛ بسببِ أنني قدْ وضعتُ مساحيقَ التجميلِ منَ العصرِ تقريبًا، فأردتُ أنْ أُصليَ خوفًا منْ أنْ أنتقضَ قبلَ دخولِ وقتِ العشاءِ، ثمَّ إنَّ هذهِ المساحيقَ قدْ كلفتني مالًا ووقتًا يصعبُ عليَّ إعادتُهما ثانيةً، أو بسببِ أننا في البرِّ، ويشقُّ عليَّ كامرأةٍ أنْ أتوضَّأَ في مكانٍ مكشوفٍ، أوْ شبهِ مكشوفٍ، وقدِ استندتُ في فِعْلِي هذا على أنَّ النبيَّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ - كانَ يجمعُ بينَ الصلاتينِ من غيرِ عذرٍ أوْ خوفٍ، فهلْ يجوزُ لِي فعلُ ذلكَ؟ وهلْ صلاتي تلكَ التي صليتُها على ما ذكرتُ سلفًا صحيحةٌ؟ أمْ عليَّ إعادتُها؟

واللهُ المستعانُ وحدهُ، وجزاكمُ اللهُ خيرًا، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فلا يجوزُ للمرأةِ الجمعُ بينَ الصلواتِ للأسبابِ المذكورةِ؛ لأنها ليستْ منَ الأعذارِ المبيحةِ للجمعِ،  قالَ في "الشرحِ الكبيرِ":

"ولجمعِهِما ستةُ أسبابٍ: السفرُ، والمطرُ، والوحلُ معَ الظلمةِ، والمرضُ، وعرفةُ، ومزدلفةُ". اهـ.

وقد قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103]؛ أي: مفروضاً في الأوقات.

ولأنَّ النبيَّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - وقَّتَ الصلواتِ، وجعلَ لكلِّ صلاةٍ وقتًا محددًا، فتقديمُ الصلاةِ عنْ وقتِها أو تأخيرُها عنْ وقتِها بدونِ عذرٍ شرعيٍّ، مِنْ تعدِّي حدودِ اللهِ - عزَّ وجلَّ –.

وقدْ قالَ اللهُ - تعالى -: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229].

وأما الاستدلالُ على الجمعِ مطلقًا منْ غيرِ عذرٍ بحديثِ ابنِ عباسٍ، قالَ: «جَمَعَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - بينَ الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ بالمدينةِ فى غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ»؛ رواهُ مسلمٌ.

فقدْ أجابَ عنهُ الجمهورُ بأجوبةٍ، أقواها: أنهُ محمولٌ على الجَمْعِ الصوريِّ؛ بأن يكونَ أخَّرَ الظهرَ إلى آخرِ وقتِها، وعَجَّل العصرَ في أولِ وقتِها، وهوَ اختيارُ القرطبيُّ في "المُفْهِم"، ورجَّحهُ إمامُ الحرمينِ، وابنُ الماجشونِ، والطحاويُّ، وابنُ سيِّدِ الناسِ، وقالَ بهِ أبو الشعثاءِ، وهو راوي الحديثِ عنِ ابنِ عباسٍ.

قالَ الحافظُ في "الفتحِ": "ويُقَوِّي ما ذُكِرَ مِن الجَمْعِ الصوريِّ أنَّ طُرُقَ الحديثِ كلَّها ليسَ فيها تَعَرُّضٌ لوقتِ الجَمْعِ، فإمَّا أن يُحمَلَ على مُطْلَقِها؛ فيستلزمُ إخراجَ الصلاةِ عن وقتِها المحدودِ بغيرِ عذرٍ، وإمَّا أن يُحمَلَ على صفةٍ مخصوصةٍ لا تستلزمُ الإخراجَ، ويُجمَع بها بينَ مفترِقِ الأحاديثِ، فالجَمْعُ الصوريُّ أَوْلى. والله أعلم". ا هـ.

وقالَ الإمامُ الشوكانيُّ في "النَّيْلِ": "ومِمَّا يَدُلُّ على تَعيِين حَمْلِ حديثِ البابِ على الجَمْعِ الصوريِّ، ما أخرجهُ النسائيُّ عنِ ابنِ عباسٍ بلفظٍ: "صليتُ معَ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ - الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ جميعًا، أخَّرَ الظهرَ وعجَّلَ العصرَ، وأخَّرَ المغربَ وعجَّلَ العشاءَ". فهذا ابنُ عباسٍ - راوي حديثِ البابِ - قدْ صرَّحَ بأنَّ ما رواهُ منَ الجَمْعِ المذكورِ، هو الجَمْعُ الصوريُّ.

ومِمَّا يؤيدُ ذلكَ، ما رواهُ الشيخانِ عنْ عمرو بنِ دينارٍ أنَّهُ قالَ: "يَا أَبَا الشعثاءِ، أَظنُّهُ أخَّرَ الظهرَ وعجَّلَ العصرَ، وأخَّرَ المغربَ وعجَّلَ العشاءَ؟ قالَ: وأنا أظنُّهُ".

وأبو الشعثاءِ هو راوي الحديثِ عن ابنِ عباسٍ.

ومِنَ المُؤيِّداتِ للحَمْلِ على الجَمْعِ الصوريِّ؛ ما أخرجهُ مالكُ في "الموطَّإِ" والبخاريُّ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، عنِ ابنِ مسعودٍ قالَ: "ما رأيتُ رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - صلَّى صلاةً لغيرِ ميقاتِها إلا صلاتينِ، جَمَعَ بينَ المغربِ والعشاءِ بالمزدلفةَ، وصلَّى الفجرَ يومئذٍ قبلَ ميقاتِها". فنفى ابنُ مسعودٍ مطْلَقَ الجَمْعِ، وحَصَرَه في جَمْعِ المزدلفةَ، معَ أنهُ مِمَّن روى حديثَ الجَمْعِ بالمدينةِ، وهو يدلُّ على أنَّ الجَمْعَ الواقعَ بالمدينةِ صوريٌّ، ولو كانَ جَمْعًا حقيقيًّا لَتَعارَضَ روايتاهُ، والجَمْعُ - ما أمكنَ المصيرُ إليهِ - هو الواجبُ.

ومن المؤيِّداتِ للحَمْلِ على الجَمْعِ الصوريِّ أيضًا، ما أخرجهُ ابنُ جريرٍ عنِ ابنِ عمرَ قالَ: «خرجَ علينا رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - فكانَ يؤخِّرُ الظهرَ ويعجِّلُ العصرَ، فيجمعُ بينهما، ويؤخِّرُ المغربَ ويعجِّلُ العشاءَ، فيجمعُ بينهما». وهذا هو الجَمْعُ الصوريُّ، وابنُ عمرَ هو مِمَّن روى جَمْعَهُ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - بالمدينةِ؛ كما أخرجَ ذلكَ عبدُالرزاقِ عنهُ.

وهذه الروايات مُعَيِّنَةٌ لِما هو المرادُ بلفظِ "جَمَعَ"، لِمَا تقرَّرَ في الأصولِ منْ أنَّ لفظَ: "جَمَعَ بينَ الظهرِ والعصرِ" لا يَعُمُّ وقتَها؛ كما في "مختصرِ المنتَهَى" وشروحِهِ، و"الغايةِ" وشرحِها، وسائرِ كتبِ الأصولِ؛ بلْ مدلولُه لغةً: الهيئةُ الاجتماعيةُ، وهي موجودةٌ في جَمْعِ التقديمِ والتأخيرِ، والجَمْعِ الصوريِّ، إلا أنهُ لا يتناولُ جميعَها ولا اثنينِ منها، إذ الفعلُ المُثْبَتُ لا يكون عامًّا في أقسامه؛ كما صرَّحَ بذلكَ أئمةُ الأصولِ، فلا يتعيَّنُ واحدٌ من صورِ الجَمْعِ المذكورِ إلا بدليلٍ، وقد قام الدليلُ على أن الجَمْعَ المذكورَ في البابِ، هو الجَمْعُ الصوريُّ؛ فوجبَ المصيرُ إلى ذلكَ". إلى أن قال: "ولا يشكُّ مُنصِفٌ أنَّ فِعْلَ الصلاتينِ دُفعةً، والخروجَ إليهما مرةً أخفُّ مِن خلافِهِ وأيسرُ ... وأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ما صلَّى صلاةً لآخِرِ وقتِها مرتينِ، فربما ظنَّ ظانٌّ أنَّ فِعْلَ الصلاةِ في أولِ وقتِها متحتمٌ؛ لملازمتِهِ - صلى الله عليه وسلم - لذلكَ طول عُمُرِهِ، فكان في جَمْعهِ جمعًا صوريًّا تخفيفٌ وتسهيلٌ على مَنِ اقتدى بِمُجَرَّدِ الفعلِ". اهـ. مختصرًا.

وعليْهِ؛ فصلاتُكِ التي صلَّيْتِيها في غيرِ وقْتِها لتلكَ الأسبابِ، غيرُ صحيحةٍ، والواجبُ عليْكِ إعادتُها.

أما إن كان خروج البر في مكان يعدّ سفرًا، فإنه في تلك الحال يجوز الجمع من أجل السفر،،

والله أعلم.