خالتي ليس لديها أبناء وزوجها متوفى، أعطت لأمي مبلغا من المال لتضعه عندها، ثم بعد فترة قالت لأمي خذي هذا المال لك، وهو ملك لك من الآن في حياتي افعلي به ما تشائين، ولكن إن احتجت شيئا من المال بعد فترة في حالة مرض أو غيره فأعطني وقتها ما أحتاج إليه، فهل تصح الهبة بهذه الطريقة؟ وهل يحل لأمي أخذ هذا المال؟ أم الهبة غير صحيحة طالما قالت خالتي لها إن احتجت شيئا من المال فيما بعد فعليك أن تعطيني ما أحتاج إليه؟. ملاحظة: خالتي لديها إخوة وأخوات غير أمي، ولكنها تكره بقية أخواتها، وأخشى أن تكون وهبت هذا المال لأمي بنية حرمان الأخريات من الميراث.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فهذه الهبة هبة مشروطة بعوض، ولكنه عوض مجهول، والهبة بشرط العوض عند جمهور العلماء بيع ابتداء وانتهاء، فيشترط أن يكون العوض معلوما معينا، فإن كان مجهولا فسدت الهبة، ويكون حكمها حكم البيع الفاسد يردها الموهوب له إلى الواهب، قال ابن قدامة في المغني: إن شرط في الهبة ثوابا معلوما صح، نص عليه أحمد، لأنه تمليك بعوض معلوم، فهو كالبيع، وحكمها حكم البيع في ضمان الدرك وثبوت الخيار والشفعة، وبهذا قال أصحاب الرأي، ولأصحاب الشافعي قول: إنه لا يصح، لأنه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها... فأما إن شرط ثوابا مجهولا لم يصح وفسدت الهبة، وحكمها حكم البيع الفاسد، يردها الموهوب له بزيادتها المتصلة والمنفصلة، لأنه نماء ملك الواهب، وإن كانت تالفة رد قيمتها، وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وظاهر كلام أحمد ـ رحمه الله ـ أنها تصح، فإذا أعطاه عنها عوضا رضيه، لزم العقد بذلك، فإنه قال في رواية محمد بن الحكم: إذا قال الواهب: هذا لك على أن تثيبني، فله أن يرجع إذا لم يثبه، لأنه شرط، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا وهب له على وجه الإثابة، فلا يجوز إلا أن يثيبه عنها، فعلى هذا عليه أن يعطيه حتى يرضيه، فإن لم يفعل فللواهب الرجوع، ويحتمل أن يعطيه قدر قيمتها، والأول أصح، لأن هذا بيع، فيعتبر فيه التراضي، إلا أنه بيع بالمعاطاة، فإذا عوضه عوضا رضيه، حصل البيع بما حصل من المعاطاة مع التراضي بها، وإن لم يحصل التراضي، لم تصح، لعدم العقد، فإنه لم يوجد الإيجاب والقبول ولا المعاطاة مع التراضي، والأصل في هذا قول عمر رضي الله عنه: من وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها ـ وروي معنى ذلك عن علي، وفضالة بن عبيد. اهـ.

وجاء في مجلة الأحكام العدلية: تصح الهبة بشرط عوض، ويعتبر الشرط، مثلا.. لو وهب أحد وسلم عقارا مملوكا له لآخر بشرط أن يقوم بنفقته حتى الممات، وكان الموهوب له راضيا بإنفاقه حسب ذلك الشرط، فليس للواهب إذا ندم الرجوع عن هبته واسترداد ذلك العقار... اهـ.

وقال علي حيدر في شرح مجلة الأحكام: إذا كان العوض غير معلوم ـ أي مجهولا ـ فيكون هبة ابتداء وانتهاء، لأن شرط العوض المجهول باطل، ولا تفسد الهبة بالشرط الفاسد... وقد قال محشي الدرر عزمي زاده: إن بيان الدرر هذا وإن كان موافقا لما في الخانية إلا أنه مخالف لقول الحلواني: تجوز الهبة بشرط العوض غير المعين، لأن الهبة تقتضي العوض المجهول، والقول في العوض للمعوض أي الموهوب له ـ والعوض مجهول في المثال الآتي أيضا، لأنه كما لا يعلم وقت موته، فلا يعلم أيضا صورة إطعامه وما سيطعم ويكسى، وهو لو وهب أحد عقاره المملوك أو مال المنقول لآخر بشرط أن يعوله إلى أن يموت، وسلمه إياه، وبعد أن عال الموهوب له الواهب مدة بحسب الشرط وكان راضيا بإعادته بعد ذلك فليس للواهب إذا ندم الرجوع عن الهبة واسترداد عقاره، ولو توفي الواهب في الهبة على هذا الوجه بعد أن عاله الموهوب له مدة، فليس لوارثه مداخلة في الموهوب، كذلك لو عال الموهوب له الواهب على الشرط المذكور وتوفي الواهب بدون وارث، فليس لأمين بيت المال المداخلة في العقار المذكور. اهـ.

وعلى هذا؛ فلو وفت والدة السائلة بشرط خالتها حتى ماتت، فهذا المال لها دون بقية الورثة، والمسألة محل خلاف على أية حال، ولا يرفع النزاع فيها إلا حكم القاضي الشرعي.

وأما قصد حرمان الورثة والإضرار بهم، فقيل: إنه مكروه. وقيل: حرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار. رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني.

وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 106777، ورقم: 112948.

ومع ترجيح حرمة هذا القصد، فإن الهبة إن وقعت في حال صحة الواهب، فإنها تنفذ عند أكثر أهل العلم، وإن قصد به حرمان الورثة، وراجعي في ذلك الفتويين رقم: 117337، ورقم، 119977، وتجدين في الأخيرة قول الرملي: وغاية ذلك القصد أن عليه فيه إثما, وذلك لا يقتضي بطلان الوقف. اهـ.

وقد أشرنا إلى الخلاف في نفاذ الهبة مع قصد حرمان الورثة، في الفتوى رقم: 147551.

والله أعلم.