الله سبحانه يقول: "ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون" فهل هذا يعني أنه لا تجوز كتابة شعر فيه أشياء خيالية، أو أشياء لم أفعلها معناها مجازي؟ فمثلًا: هذه عينة من شعري مع أنه ليس بجيد، فهل تجوز كتابة مثل هذا النوع من الشعر: في دجا الليل الطويل... قد رأيت الصبح أسفر فانطلقت للمسير... في خضم البحر أبحر وسط أصوات الطيور... أذكر المولى أكبر أرقب الفجر الجميل... والشروق اليوم أنظر أرشق الريح العليل... والسنا في الجو أبصر أرتقي نحو الأمام... بين موج البحر أدبر أبتغي الأفق البعيد ... من حنايا القلب أظهر إن طول الانتظار ... في زوايا العجز أو اليأس مضجر قد خرجت للرحيل أو المسير... في الطريق الشائك المر. فهل تجوز كتابة مثل هذا الشعر مع أن القارئ يعلم أن هذا خيالي ومجازي؟ وما هو تفسير الآية؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فالأصل أن قول الشعر وحكايته من المباح، فهو كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فلا يمدح لذاته، ولا يذم لذاته، ولكن ينظر إلى مضمونه من حيث الإباحة من عدمها، قال ابن قدامة في المغني: وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة، والعلماء، والحاجة تدعو إليه؛ لمعرفة اللغة العربية، والاستشهاد به في التفسير، وتعرف معاني كلامه تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويستدل به أيضًا على النسب، والتاريخ، وأيام العرب. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في الفتح: والذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن هجو، وعن الإغراق في المدح، والكذب المحض، والتغزل بمعين لا يحل، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك، واستدل بأحاديث الباب، وغيرها، وقال ما أنشد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو استنشده ولم ينكره، قلت: وقد جمع ابن سيد الناس شيخ شيوخنا مجلدًا في أسماء من نقل عنه من الصحابة شيء من شعر متعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقد ذكر في الباب خمسة أحاديث دالة على الجواز، وبعضها مفصل لما يكره مما لا يكره. انتهى.

وتجوز كتابة مثل هذه الأبيات، ونحوها، ولو اشتملت على ألفاظ مجازية، وأوصاف خيالية، فإن ذلك لا يدخل في الكذب المنهي عنه، وحكم هذا الشعر كحكم كتابة وتأليف القصص الخيالية، وقد ذكرنا حكمها في الفتوى رقم: 177705.

وقد ذكرنا تفسير آية الشعراء في الفتوى رقم: 75632.

وقد قال القرطبي ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية: وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه، وصاحبه ملوم، فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وإن يبهتوا البريء، ويفسقوا التقي، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء، رغبة في تسلية النفس، وتحسين القول. انتهى.

والله أعلم.