السؤال:

لي قريب تارك للصلاة، مُرتكب لكثيرٍ من المحَرَّمات؛ كشُرب الخمر، وترك واجبات الإسلام، بل واقع في نواقض عظيمةٍ؛ كسَبِّ الله تعالى عند كلِّ مشكلة أو غضب.

وهو في هذه الحالة والوضع تقدَّم للزواج من مسلمة مُصلية وتزوجها، وأنجب منها عدة أبناء، وقد وقع منه لفظ الطلاق لزوجته على إثر مشاكل حصلتْ بينهما ثلاث مرات، والرجل واعٍ لما يقوله، ولكن يظن أنه لا يقع الطلاق إلا إذا قصد الطلاق، لكن زوجته في المرَّة الثالثة تركتْه ورجعتْ إلى بيت أهلها، ثم عاد الرجلُ للصلاة بعد عدة سنوات، وانتهى عما كان عليه، وأراد الرجوع لزوجته.

فالسؤال: هل يجوز له أن يعودَ إليها؛ على اعتبار أنه لَمَّا تزوَّجها كان كافرًا بتَرْكه للصلاة وبالنواقض الأخرى  - وعقْدُ الكافر على المسلمة باطل - والآن هو مُسلم يتقدَّم لمسلمة؟

هذا بالإضافة إلى ما فيه مِنْ لَمِّ شمل الأسرة التي تفَرَّقت جرَّاء هذا الأمر.

نرجو منكم التكرُّم علينا بالرد في أسرع وقت، وجزاكم الله كل خيرًا.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فإن كان الحال كما ذكرت أن الرجل المذكور قد تزوج تلك المرأة المسلمة حال ردته بسَبِّه الله – عزَّ وجلَّ – وغير ذلك من نواقض الإيمان فالنكاح باطلٌ بالإجماع، فلا خلاف في أن المسلمَ إذا ارتدَّ ثم تزوج فلا يصح زواجه؛ لأنه لا ملة له.

قال الإمام الشافعي - رحمه الله - في "الأم": 5 /62":

"وإذا ارتد المسلم فنكح مسلمةً أو مرتدةً أو مشركةً أو وثنيةً، فالنكاح باطلٌ أسلما أو أحدُهما، أو لم يسلما ولا أحدُهما، فإن أصابها فلها مهر مثلها، والولد لاحقٌ ولا حد، وإن كان لم يصبها فلا مهرَ ولا نصفَ ولا متعةَ، وإذا أصابها فلها مهرُ مثلِها، ولا يُحَصِّنُها ذلك، ولا تحل به لزوج لو طلقها ثلاثًا؛ لأن النكاح فاسدٌ، وإنما أفسدته؛ لأنه مشركٌ لا يحل له نكاحُ مسلمةٍ، ولا يُتركُ على دينه بحالٍ، ليس كالذمي الآمن على ذمة؛ للجزية يؤديها ويترك على حكمه ما لم يتحاكم إلينا، ولا مشركٌ حربيٌّ يَحِلُّ تركُهُ على دينهِ والمنُّ عليه بعد ما يُقْدَر عليه". اهـ.مختصرًا.

وقال السرخسي – الحنفي – في "المبسوط": 5 / 48-49":

"ولا يجوز للمرتد أن يتزوج مرتدةً، ولا مسلمةً، ولا كافرةً أصليةً؛ لأن النكاح يعتمد الملةَ، ولا ملةَ للمرتدِّ، فإنه ترك ما كان عليه، وهو غير مقر على ما اعتقده، وحقيقة المعنى فيه من وجهين: أحدُهما: أن النكاح مشروعُ؛ لمعنى البقاء، فإن بقاء النسل به يكون، وكذلك بقاء النفوس بالقيام بمصالح المعيشة، والمرتد مستحق للقتل، فما كان سبب البقاء لا يكون مشروعًا في حقه.

والثاني: أن قتله بنفس الردة صار مستحَقًّا، وإنما يُمْهلُ ثلاثة أيام؛ ليتأمل فيما عرض له من الشبهة، ففيما وراء ذلك، جُعِل كأنه لا حياة له حكمًا، فلا يصح منه عقد النكاح؛ لأن اشتغاله بعقد النكاح يشغله عما لأجله حياته، وهو التأمُّلُ".

وعليه؛ فنكاح المرتد من المسلمة باطلٌ، إلا أنه نكاح شبهةٍ يَثبُتُ به النسبُ ويلزم فيه المهرُ، إلا أن الطلاق لا يلحق المرأة، فإن كان هذا الرجلُ قد صلح حاله كما تقولُ، فيجوز له نكاحُ تلك المرأةِ،،

والله أعلم.