زوجتي موظفة في العراق، انقطعت عن الدوام لمدة ستة أشهر بسبب الظروف الأمنية، وكانت تستلم راتبا طيلة هذه المدة بدون دوام، والآن تشعر أن هذه الأموال التي أخذتها من الدولة حرام، لأنها لم تداوم وتريد التصدق بها، فهل يجوز أن تتصدق بها على أقاربها المحتاجين؟ أم يجب أن تجعلها في الأوقاف؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فبداية ينبغي التنبيه على أن القطع بعدم استحقاقها للراتب، فيه نظر، فقد تسمح جهة عملها بذلك، نظرا لاضطرارها للغياب بسبب الظروف الأمنية، وعلى أية حال فمن وقع في يده شيء من الأموال العامة بغير حق، وجب عليه رده إلى المال العام ـ بيت المال ـ وذلك إذا كان منتظما، وإلا قام هو نفسه بصرفه في مصارفه من المصالح العامة كبناء المساجد والمشافي، أو إنفاقه على الفقراء والمحتاجين، ونحو ذلك، جاء في الموسوعة الفقهية: يكون بيت المال منتظما إذا كان الإمام عدلا يأخذ المال من حقه، ويضعه في مستحقه، ويكون فاسدا إذا كان الإمام غير عدل، فيأخذ المال من أصحابه بغير حق، أو يأخذه بحق، ولكن ينفق منه في غير مصلحة المسلمين، وعلى غير الوجه الشرعي، كما لو أنفقه في مصالحه الخاصة، أو يخص أقاربه أو من يهوى بما لا يستحقونه، ويمنع أهل الاستحقاق، ومن الفساد أيضا أن يفوض الإمام أمر بيت المال إلى غير عدل، ولا يستقصي عليه فيما يتصرف فيه من أموال بيت المال فيظهر منه التضييع وسوء التصرف... وإذا فسد بيت المال ترتبت عليه أحكام منها:

أ ـ أن لمن عليه حقا لبيت المال ـ إذا لم يطلع عليه ـ أن يمنع من ذلك الحق بقدر حقه هو في بيت المال، إن كان له فيه حق لم يعطه، وإن لم يكن له فيه حق، فإن له أن يصرفه مباشرة في مصارف بيت المال، كبناء مسجد أو رباط... اهـ.

وإن كان أقارب من بيده المال من جملة الفقراء والمحتاجين، فلا مانع أن يعطيهم منها قدر حاجتهم، بل هو نفسه إن كان فقيرا محتاجا فله أن يأخذ قدر حاجته، قال النووي في المجموع: قال الغزالي: إذا وقع في يده مال حرام من يد السلطان قال قوم: يرده إلى السلطان فهو أعلم بما يملك، ولا يتصدق به، واختار الحارث المحاسبي هذا، وقال آخرون: يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك، لأن رده إلى السلطان تكثير للظلم، قال الغزالي: والمختار أنه إن علم أنه لا يرده على مالكه فيتصدق به عن مالكه، قلت: المختار أنه إن علم أن السلطان يصرفه في مصرف باطل أو ظن ذلك ظنا ظاهرا لزمه هو أن يصرفه في مصالح المسلمين، مثل القناطر وغيرها، فإن عجز عن ذلك أو شق عليه لخوف أو غيره تصدق به على الأحوج فالأحوج، وأهم المحتاجين ضعاف أجناد المسلمين، وإن لم يظن صرف السلطان إياه في باطل فليعطه إليه أو إلى نائبه إن أمكنه ذلك من غير ضرر، لأن السلطان أعرف بالمصالح العامة وأقدر عليها، فإن خاف من الصرف إليه ضررا صرفه هو في المصارف التي ذكرناها فيما إذا ظن أنه يصرفه في باطل. اهـ.

وقال قبل ذلك: المقصود هو الصرف إلى هذه الجهة ـ يعني مصالح المسلمين العامة كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء ـ وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير، بل يكون حلالا طيبا، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا، لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته، لأنه أيضا فقير، وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه. اهـ.

وعلى كل، فهذه المسألة من المسائل الدقيقة التي ينبغي فيها مشافهة أهل العلم، لذلك ننصحكم بالتواصل مع أهل العلم الموثوق بهم في بلدكم، فلعلهم أقدر على تصور الموضوع وتكييفه والحكم عليه.

والله أعلم.