ورد في الحديث أن في الجائفة ثلث الدية، والجائفة هي الجرح النافذ للجوف، وبعد تقدم الطب نری اختلافا كبيرا في الجراح الجائفة من حيث الإضرار بالأعضاء الداخلية من عدمه، فهل نحكم بثلث الدية سواء كان الجرح غير مضر بالأعضاء الداخلية أو أثر فيها، وسواء أضر بالكبد أو الكلی أو الأمعاء، لأن النصوص جعلت الجائفة واحدة، فلو اخترقت طعنة جوف المصاب فأتلفت أعضاءه الداخلية ولم يمت، فالضرر الواقع عليه ربما يعادل دية كاملة؟.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فثلث الدية الواجب في الجائفة إنما يجب فيها هي ذاتها، لا فيما جاورها وترتب عليها من جروح أو عيوب للأعضاء الداخلية كالكبد أو الكلى أو الأمعاء أو غيرها، أو كسر في الأضلاع، كما في جائفة الجنب، فإن ذلك إن حصل يكون له أرشه الخاص به، زيادة على ما توجبه الجائفة بذاتها، جاء في الموسوعة الفقهية: اتفق الفقهاء في الجائفة إذا نفذت من جانب لآخر أنها جائفتان في كل منهما ثلث الدية، وإن خرقت جائفة البطن الأمعاء، أو لذعت كبدا أو طحالا، أو كسرت جائفة الجنب الضلع، ففيها مع الدية حكومة عدل. اهـ.

ومعنى الحكومة في أرش الجراحات التي ليس فيها دية مقدرة: أن يجرح الإنسان في بدنه مما يبقى شينه ولا يبطل العضو، فيقدر الحاكم أرشه ـ كما قال الأزهري في تعليقه على حديث: في أرش الجراحات الحكومة.

ولذلك، فإن هذا التقدير لا يصح إلا بعد البرء واندمال الجرح، ليعرف مدى تأثيره على الجسد، جاء في الموسوعة الفقهية: يشترط أن يُقوَّم المجني عليه لمعرفة الحكومة بعد اندمال الجرح وبرئه لا قبله، لأن الجرح قد يسري إلى النفس أو إلى ما يكون واجبه مقدرا، فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة. اهـ.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن سراية الجناية وتعديها لموضعها بصفة عامة له اعتباره الخاص، فيضمن الجاني سراية جنايته، بلا خلاف بين أهل العلم، حتى لو أتت على نفس المجني عليه، ضمن في الخطأ، واستحق القصاص في العمد، قال ابن قدامة عمدة الفقه: سراية الجناية مضمونة بالقصاص والدية. اهـ.  

وقال في المغني: سراية الجناية مضمونة بلا خلاف، لأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة، فكذلك أثرها، ثم إن سرت إلى النفس، وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف، مثل أن يهشمه في رأسه فيذهب ضوء عينيه، وجب القصاص فيه، ولا خلاف في ذلك في النفس، وفي ضوء العين خلاف. اهـ.

يعني خلاف في وجوب القصاص لا في الضمان بالدية، وجاء في الموسوعة الفقهية: إذا أتلف شخص لآخر شيئا أو غصبه منه فهلك أو فقد, وكذا إذا ألحق بغيره ضررا بجناية في النفس وما دونها, أو تسبب في شيء من ذلك, فيجب عليه ضمان ما أتلفه بمباشرته أو تسببه. اهـ.

والله أعلم.