السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

اتصلت هاتفيًّا على زوجتي قبل أسبوع، وتشاجرتُ معها، وقالتْ لي: نحن مختلفان، ولا بد أن ننفصل - نفس العبارة تتكرر منها في كل مرة.

فأردت أن أضعها أمام أمر واقع وصعب، فقلت لها: سأجعل الاختيار لك، وأنتِ تقررين، فإن أردتِ أن تعيشي معي فأهلاً وسهلاً، وإذا ما أردتِ أن تعيشي معي فاذهبي إلى بيت أهلك، وتعتبرين نفسك طالقًا.

حاولتِ الذهاب تلك الليلة بعد الشجار، ولكن أمي منعتها، فذهبت صباح اليوم الثاني علمًا بأنِّي مُغترب عن زوجتي، وزوجتي حامل.

فهل وقع الطلاق أو لا؟ وفي حالة وُقُوع الطلاق، فما هي صيغة الإرجاع؟ وهل يشترط إخبار أبيها بالإرجاع أو إخبار أحدٍ من أهلي لإخبار أبيها بالإرجاع؟

بصراحة أنا لا أريد أن أخبرها أو أخبر أبيها بالإرجاع حتى فترة معينة، بحيث لا تعود مرة أخرى لتكرار هذا القول.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فإنْ كان الأمر كما ذكرت، فما قلتَه لزوجتك هو تمليك للطلاق لها؛ مثل قول: أمرك بيدك، وأمرك إليك، والصحابة متفقون على اعتبار التخيير في الجملة، وعدم إلغائه، وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لَمَّا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتخيير أزواجه بدأ بي؛ فقال: «إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك»، قالت: وقد علم أن أبوي لَم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم قرأ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28، 29].

فقلت: في هذا أستأمر أبوي؟ فإنِّي أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلت، فلم يكن ذلك طلاقًا".

قال المروذي: سألت أبا عبدالله: ما تقول في امرأة خيِّرت فاختارت نفسها؟ قال: قال فيها خمسة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنها واحدة ولها الرجعة: عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وذكر آخر، قال غير المروذي: هو زيد بن ثابت؛ كما في "زاد المعاد" لابن القيم، وقال:

"فالذي عليه معظم أصحاب النبي ونساؤه كلهن ومعظم الأمة: أن من اختارت زوجها لم تطلق، ولا يكون التخيير بمجرده طلاقًا، صح ذلك عن عمر وابن مسعود، وابن عباس وعائشة، قالتْ عائشة: خيّرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه فلم نعدّه طلاقًا".

وعليه؛ فما دامت زوجتك قد اختارت نفسها، فهي طلقة رجعية، ولك أن تراجعها ما دامت في العدة قبل أن تضع حملها، والمراجعة تكون بالقول نحو: راجعتك، أو راجعت امرأتي، أو بالفعل مع قصد المراجعة، مع الإشهاد على الرجعة والإشهاد مشروع باتفاق الأمة واختلف في وجوبه على قولين: مستحب، وقيل: واجب، ولا تصلح الرجعة مع الكتمان فإن لم تخبر زوجتك فترة محددة لتأديبها، فلتخبر غيرها إشهاداً على الرجعة.

قال شيخ الإسلام في "الفتاوى الكبرى":

"ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في الشافي، وروي عن أبي طالب، قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال: يفرق بينهما، ولا رجعة له عليها، ويلزم إعلان التسريح والخلع والإشهاد كالنكاح دون ابتداء الفرقة".

هذا؛ والله أعلم.