السؤال:

شابٌّ في الثلاثين مِن عُمره، أحبَّ امرأةً مُنفصلة، تكبره بأربع سنوات، وهي تحبه، ويرغبان في الزواج على سُنَّة الله ورسوله، والمشكلةُ أنَّ والدة هذا الشاب ترفُض - وبشِدَّة - هذا الارْتباط، وقد طلبتْ مِن ابنها قطْع علاقته مع هذه المرأة، فلم يستجبْ لطَلَبِها، فأَجْبَرَتْه أنْ يحلفَ على المصحف الشريف بأنه سوف يقطعُ علاقته بها، وفعلاً وَضَع يدَه على المُصحَف، وحلف مُكْرهًا وعلى مضض، وهو الآن في حالةٍ يُرثَى لها.

والسؤال: هل هذا الحلف صحيح؟ وهل وقَع فِعْلاً؟ وما حُكمه؟ وما حكم القسَم على المُصْحَف بالإكراه في مثْل هذه الحال؟ وإذا كان صحيحًا فما حُكم الرُّجوع فيه؟

أرجوكم أفيدوني.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فقد بَيَّنا في فتاوى سابقةٍ تحريم العلاقات بين الجِنْسَيْن، وذلك في الفتاوى: "حكم ما يسمى بـ "الحب المحترم""، و"الحب قبل الزواج".

 أمَّا الحلف على المصحف أو بالمصحف، فيمين مُنعقدة؛ لأن القرآن كلام الله – تعالى - وإذا حنث الحالفُ فيها، لزمته كفَّارة اليمين، وهي ما ذُكر في قوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89].

قال ابن قدامة في "المغني":

"وإن حلف بالمصحف انعقدتْ يمينُه، وكان قتادة يحلف بالمُصْحف، ولَم يكره ذلك إمامنا، وإسحاق؛ لأنَّ الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه، وهو القرآن، فإنَّه بين دفَّتي المصحف بإجماع المسلمين". اهـ.

قال صاحب "مجمع الأنْهُر في شرح ملتقى الأبْحُر" في الفقه الحنفي:

"وفي "الفتح": ولا يخفى أن الحلفَ بالمُصحف الآن مُتعارَف، فيكون يمينًا، وتمامه فيه.

وقال العيني: لو حلف بالمُصْحف، أو وضع يده عليه، أو قال: وحق هذا - فهو يمين، ولا سيما في هذا الزمان الذي كثُر فيه الحلف به. اهـ.

قال الإمام ابن القيِّم في قصيدته اللامية التي نَظَم فيها اعتقاد الشافعي - رضي الله عنه - أولها:

وَيُعْقَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمِينُ مَنْ     غَدَا حَالِفًا بِالمُصْحَفِ المُتَقَبَّلِ

أمَّا ما ذكره الأخ الكريم من إكراه والدته له على اليمين، فليس هو الإكراه الذي يسقط اليمين، وإنَّما الإكراه المعتبَر في الشرع: هو الذي يخشى معه إتلاف النَّفس، أو العُضو، أو المال، ونحو ذلك مما يشترطه العلماء لِحُصُول الإكراه، فإنْ حصل هذا النوع منَ الإكراه، فلا تنعقد يمينُه؛ ولا يُتوقع منَ الوالدة أن تحدثَ بك ضررًا ما، كالذي ذكر.

ومعلوم أن الأبوين قد جُبلا على حبِّ المصلحة لأبنائهم؛ لذا فالغالب على اختيارهما هو الأصْلح والأكمل لك، فالواجبُ عليكَ طاعتهم والإحسان إليهم، وراجع الفتويين: أريد الزواج من مطلقة و أريد الزواج من امرأة مطلقة ولكن أهلي يرفضون.

فننصحك أن لا تُقدم على هذا الزواج الذي تكرهه أمك، وبخاصة أنك ستعيش في وضع صعب بعد الزواج؛ لعدم التوافق بين والدتك وهذه المرأة،،

والله أعلم.