السؤال:

 

 هل حملة يحملون الله وإن كان ذلك فالله قوي وقادر بالله عليكم اوريد جواب لان شيطاني يوسوس لي جدا في هذا الشيء وانا اخاف ان تقابلني اجنبيه وتسألني نفس السؤال هل من الممكن إجابه له اليوم

الإجابة:

 

فإن الله تعالى خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرشِ؛ كما أخبر في سبعة مواضع، منها قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، واستواؤه تعالى على العرش لا يلزم منه حاجته إلى العرش، ولا افتقاره إليه، بل هو مستغنٍ عن العرش وما دون العرش، هو الغني سبحانه وتعالى عن كل ما سواه، وهو سبحانه وتعالى الممسك للعرش، والسماوات والأرض؛ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، وقال: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [الحج: 65].

فالله تعالى بخلاف المخلوق الذي يفتقر إلى ما هو مستو عليه، ومحتاج ومعتمد عليه؛ قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية" (3/ 238-249): "للناس في حملة العرش قولان:

أحدهما: أن حملة العرش يحملون العرش ولا يحملون من فوقه -وهو قول نفاة الصفات كالعلو والاستواء من المعتزلة والجهمية-

والثاني: أنهم يحملون العرش ومن فوقه كما -وهو قول مثبة الصفات كالدارمي وأبي يعلى-

قال: يقال من جهة الأولين لانسلم أن من حمل العرش يجب أن يحمل من فوقه، فالمقدمة الأولى ممنوعة؛ وذلك أن من حمل السقف لايجب أن يحمل ما فوقه، إلا أن يكون ما فوقه معتمدًا عليه، وإلا فالهواء والطير وغير ذلك مما هو فوق السقف ليس محمولاً لما يحمل السقف، وكذلك السموات فوق الأرض وليست الأرض حاملة السموات، وكل سماء فوقها سماء وليست السفلى حاملة للعليا.

 فإذا لم يجب في المخلوقات أن يكون الشيء حاملاً لما فوقه بل قد يكون وقد لا يكون، لم يلزم أن يكون العرش حاملاً للرب تعالى إلا بحجة تبين ذلك، وإذا لم يكن العرش حاملاً لم يكن حملة العرش حاملة لما فوقه بطريق الأولى.

الوجه الثاني: أن الطائفة الأخرى تمنع المقدمة الثانية فيقولون: لا نسلم أن العرش وحملته إذا كانوا حاملين لله لزم أن يكون الله محتاجًا إليهم؛ فإن الله هو الذي يخلقهم ويخلق قواهم وأفعالهم، فلا يحملونه إلا بقدرته ومعونته، كما لا يفعلون شيئًا من الأفعال إلا بذلك، فلا يحمل في الحقيقة نفسَه إلا نفسُه؛ كما أنه سبحانه إذا دعاه عباده فأجابهم، وهو سبحانه الذي خلقهم وخلق دعاءهم وأفعالهم:- فهو المجيب لما خلقه وأعان عليه من الأفعال، وكذلك إذا فرح بتوبة التائب من عباده، أو غضب من معاصيهم، وغير ذلك مما فيه إثبات نوع تحول عن أفعال عباده، فإن هذا يقوله كثير من أهل الكلام مع موافقة جمهور أهل الحديث.

قال: وجواب السؤال الثاني – وهي: تأثير المخلوق فيه سبحانه- أنه لا خالق ولا بارئ ولا مصور ولا مدبر لأمر الأرض والسماء إلا هو، فلا حول ولا قوة إلا به، وكل ما في عباده من حول وقوة فبه هو سبحانه، فيعود الأمر إلى أنه هو المتصرف بنفسه سبحانه وتعالى، الغني عما سواه.

وهؤلاء -أي: القائلين بأن حملة العرش يحملون العرش ومن فوقه - يقولون هذا الذي ذكرناه أكمل في صفة الغني عما سواه، والقدرة على كل شيء مما يقوله النفاة.

فإن أولئك -أي: النفاة- يقولون لا يقدر أن يتصرف بنفسه، ولايقدر أن ينزل ولايصعد ولاياتي ولا يجيء، ولايقدر أن يخلق في عباده قوة يحملون بها عرشه الذي هو عليه.

ويكونون إنما حملوه وهو فوق عرشه بقوته وقدرته، من كونه لايقدر على مثل ذلك ولا يمكنه أن يقيم نفسه إلا بنفسه.

كما أنه سبحانه إذا خلق الأسباب وخلق بها أمورًا أخرى، ودبّر أمر السموات والأرض، كان ذلك أكمل وأبلغ في الاقتدار من أن يخلق الشيء وحده بغير خلق قوة أخرى في غيره يخلقه بها؛ فإن من يقدر على خلق القوى في المخلوقات أبلغ ممن لا يقدر على ذلك، ولهذا كان خلقه للحيوان ولما فيه من القوى والإدراك والحركات من أعظم الآيات الدالة على قدرته وقوته؛ قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات 58].

قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي وصاحبه: وأعجب من هذا كله قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغير أو كبير، وزعمت كالصبيان العميان إن كان الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله، فإن كان الله أصغر فقد صيرتم العرش أعظم منه، وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلاً عن العرش، وإن كان مثله فإنه إذا ضم إلى العرش السموات والأرض كانت أكبر، مع خرافات تكلم بها، وترّهات يلعب بها، وضلالات يُضل بها.

فيقال لهذا البَقْبَاق النفاخ: إن الله أعظم من كل شيء، وأكبر من كل خلق، ولم يحمله العرش عِظَمًا ولاقوة، ولا حملة العرش حملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه، ولكنهم حملوه بقدرته.

وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضَعفوا عن حمله واستكانوا وجَثَوا على رُكَبِهم، حتى لُقّنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته، ولولا ذلك ما استقلّ به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهن، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات والأرض؟ وكيف تنكر أيها النفاخ أن عرشه يُقِلُّه والعرش أكبر من السموات السبع والأرضين السبع؟ ولو كان العرش في السموات والأرضين ما وسعته، ولكنه فوق السماء السابعة فكيف تنكر هذا وأنت تزعم أن الله في الأرض في جميع أمكنتها، والأرض دون العرش في العظمة والسعة، فكيف تقله الأرض في دعواك ولايقله العرش الذي هو أعظم منها وأوسع؟

 وأدخل هذا القياس الذي أدخلت علينا في عظم العرش وصغره وكبره، على نفسك وعلى أصحابك في الأرض وصغرها حتى تستدل على جهلك وتفطن لما تورد عليك حصائد لسانك، فإنك لا تحتج بشيء إلا هو راجع عليك وآخذ بحلقك.

وقد حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح أنه قال: "أول ما خلق الله حين كان عرشه على الماء حملة العرش، فقالوا ربنا لما خلقتنا؟ فقال: خلقتكم لحمل عرشي، قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك، وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ فقال لهم إني خلقتكم لذلك.

قال: قالوا ربنا ومن يقوى على حمل عرشك، وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ فقال: خلقتكم لحمل عرشي، فيقولون ذلك مرارًا، فقال لهم: قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فيحملكم والعرش قوة الله.

قال: أفلا تدري أيها المعارض أن حملة العرش لم يحملوا العرش ومن عليه بقوتهم وبشدة أسرهم، إلا بقوة الله وتأييده.

وقال في كتابه حدثني محمد بن بشار بندار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جُبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله فوق عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل القبة، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبة، وإنه لَيَئِطُّ به أَطِيطَ الرَّحْلِ بالراكب". اهـ. مختصرًا.

وقال في "مجموع الفتاوى" (1/ 367): "وهو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وهو سبحانه غني عن العرش وعن سائر المخلوقات، لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش.

وقد جعل تعالى العالم طبقات ولم يجعل أعلاه مفتقرًا إلى أسفله، فالسماء لا تفتقر إلى الهواء، والهواء لا يفتقر إلى الأرض، فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض وما بينهما الذي وصف نفسه بقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]، أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل، بل هو الأحد الصمد الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3، 4]، الذي كل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه". اهـ.

وقال في درء تعارض العقل والنقل (7/ 19-21)

أن الله مستغن عن كل ما سواه، وهو خالق كل مخلوق، ولم يصر عالياً على الخلق بشيء من المخلوقات، بل هو سبحانه خلق المخلوقات، وهو بنفسه عال عليها، لا يفتقر إلى علوه عليها إلى شيء منها، كما يفتقر المخلوق إلى ما يعلو عليه من المخلوقات، وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش ولحملة العرش.

فإنما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى، والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق المخلوق حمل ما شاء أن يحمله من عظمته وغيرها، فهو بقوته وقدرته الحامل للحامل والمحمول، فكيف يكون مفتقراً إلى شيء؟

وأيضاً: فالمحمول من العباد بشيء عال، لو سقط ذلك العالي سقط هو، والله أغنى وأجل وأعظم من أن يوصف بشيء من ذلك.

وأيضاً: فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي والجهة العالية والحيز العالي، إذا قدر شيئاً موجوداً، كما لو جعل ذلك اسمًا للعرش، وجعل العرش هو المكان العالي، كما في شعر حسان:

تعالى علواً فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما

فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه، وبقوته صار عالياً، والشرف الذي حصل لذلك المكان العالي منه، ومن فِعله وقدرته ومشيئته، فإذا كان هو عالياً على ذلك وهو الخالق له، وذلك مفتقر إليه من كل وجه، وهو مستغن عنه من كل وجه، فكيف يكون قد استفاد العلو منه، ويكون ذلك المكان أشرف منه". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.