السؤال:

كيفية الجمع بين تحريم الإسلام للتطير و القول بالنحس مع الاية القرآنية فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16) , فالإسلام يحرم التطير و التشائم و يحرم القول بالنحس لانه لا يوجد نحس في الإسلام فما معني ايام نحسات بالآية ؟ جزاكم الله خيرا

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن الشارع الحكيم حرم التطير هي التشاؤم بمرئي أو مسموع مثل من اعتقد أن الغراب نحس أو بعض الأيام، مع أن الله لم يجعلها سببا للشر، ولا يقع بها الضرر، وهو من الشرك الأصغر حيث جعل من ليس بسبب سببًا، اعتقد أن هذا استقلالاً، وإن اعتقد أن الله جعله سبباً،  فهو شرك.

 وهذا التعريف للنحس لا ينطبق على وصف القرآن العظيم لأيام إهلاك الكفار بالنحس؛ نحو قوله - جل وعلا -: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [فصلت: 16]، وقوله - جل وعلا -: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ}[القمر: 19]، فوصف سبحانه الأيام بالنحس لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، فأنزل الله بهم العذاب بالريح العاتية الشديد بردها وصوتها وهبوبها

قال الإمام ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة"(2/ 194): "وأما وصفه تعالى بعض الأيام بأنها أيام نحس كقوله {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [فصلت: 16]، فلا ريب أن الأيام التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أياما نحسات عليهم؛ لأن النحس أصابهم فيها، وإن كانت أيام خير لأوليائه المؤمنين فهي نحس على المكذبين سعد المؤمنين وهذا كيوم القيامة فإنه عسير على الكافرين يوم نحس لهم يسير على المؤمنين يوم سعد لهم، قال مجاهد أيام نحسات مشائيم، وقال الضحاك: معناه شديد، أي البرد، حتى كان البرد عذابًا لهم، قال أبو علي: وأنشد الاصمعي في النحس بمعنى البرد:

كان سلافة عرضت بنحس ... يحيل شفيفها الماء الزلالا

وقال ابن عباس نحسات متتابعات وكذلك قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر: 19]، وكان اليوم نحسًا عليهم لإرسال العذاب عليهم، أي لا يقلع عنهم كما تقلع مصائب الدنيا عن أهلها، بل هذا النحس دائم على هؤلاء المكذبين للرسل، ومستمر صفة للنحس لا لليوم، ومن ظن أنه صفة لليوم وأنه كان يوم أربعاء آخر الشهر، وأن هذا اليوم نحس أبدًا فقد غلط واخطأ فهم القرآن؛ فان اليوم المذكور بحسب ما يقع فيه، وكم لله من نعمة على أوليائه في هذا اليوم وان كان له فيه بلايا ونقم على أعدائه، كما يقع ذلك في غيره من الأيام، فسعود الأيام ونحوسها إنما هو بسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال مخالفتها لما جاءت به الرسل، واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة ونحس لطائفه؛ كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين ويوم نحس على الكافرين". اهـ.

إذا تقرر هذا، علم أن وصف الله تعالى لأيام عذاب الكفار بأنها نحس لما فيها من الشر حيث أرسل عليهم ريح شر شديدة ليس فيها من الخير شيء، ولذلك وصفت بأنها أيام مشائيم ذات نحوس، وهذا غير ما جعله الناس نحوسًا وهو ليس كذلك من المرئي،،، والله أعلم.