السؤال:

ارتكب صديق لى فاحشة اللواط فى نهار رمضان فهل له من كفارة؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فقد أجمع سائر الأمم من المسلمين وغيرهم على حرمة فاحشة اللُّوطيَّة، وأنها من أقبح المنكَرات التي تُوجِبُ قتل الفاعل والمفْعول، وقد عذَّب الله مقترفَهَا بعذابٍ ما عذَّبه أحدًا من الأُمم، حيث طَمَسَ أبصارَهم وقلب مدائنَهم، ويزداد قبح هذه الجريمة وشناعتها إذا وقعت في نهار رمضان؛ لانتهاك حرمة الشهر الفضيل، وتعمد إفساد الصوم.

غير أن الله تبارك وتعالى شرع لعباده التوبة من الذنوب والكبائر وحتى الشرك والكفر، ووعدهم بالمغفرة  وقبول التوبة الصادقة لمن جاء بها على وجهها، مستوفية لشروطها من الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم معاودته، والندم على فعل الذنب؛ كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب، كمن لا ذنب له"؛ رواه ابن ماجه.

فالله تعالى جواد كريم غفور رؤوف رحيم، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، وكتَبَ على نفسه الرحمة، وضمَّن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، كما أنه أشدُّ فرحًا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة الدوية إذا وجدها، ووسعتْ رحمته كلَّ شيء؛ وقال سبحانه: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[الفرقان: 70]، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136] وقوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء: 17]، وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110].

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [التحريم: 8]

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية منعى (التوبة النصوح) كما في "مجموع الفتاوى"(16/ 58)، فقال: "... هي الخالصة من كل غش، وإذا كانت كذلك كائنة، فإن العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمتى أخرج من قلبه الشهوة لم يعد إلى الذنب، ومن تاب ثم عاد إلى الذنب قَبِلَ الله توبته الأولى، ثم إذا عاد استحق العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضًا، ولا يجوز له إذا عاد للذنب أن يُصر، بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة". اهـ.

وليكثر من الأعمال الصالحة، والالتجاء إلى الله تعالى بكثرة الدعاء، وخاصَّة في أوقات الإجابة، وكذلك المحافظة على أداء ما افترضَهُ الله تعالى عليها، والإكثار من النوافل؛ قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]

 أما وجوب الكفَّارةٌ فالرَّاجح من قولَيْ أهل العلم عدم الموجِب؛ لأن الكفارة إنما تجب في فيما كان مباحًا في الأصل وحرم لعارض كالجماع للصائم والمحرم، ووطء الحائض والنفساء، أما ما كان محرمًا لذاته كالظلم والفواحش فلا تشرع الكفارة له، فلا كفارة في الزنا وشرب الخمر والسرقة واللواط، ونحوها، وليس ذلك تخفيفًا عن العصاة ولكن لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من الكبائر.

قال الإمام ابن القيم في كتابه "الجواب الكافي"(ص: 113):

الكفارات في ثلاثة أنواع

وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع:

أحدها: ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه فباشره في الحالة التي عرض فيها التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام، وطرده: الوطء في الحيض والنفاس، بخلاف الوطء في الدبر، ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض لا يصح؛ فإنه لا يباح في وقت دون وقت، فهو بمنزلة التلوط، وشرب المسكر.

النوع الثاني: ما عقد لله من نذر أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد حله، فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها نحلة، وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الاسم بالحنث، كما ظنه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، وقد يكون مباحا، وإنما الكفارة حل لما عقده.

النوع الثالث: ما تكون فيه جابرة لما فات، ككفارة قتل الخطأ، وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأ، فإن ذلك من باب الجوابر، والنوع الأول من باب الزواجر، والنوع الوسط من باب التحلة لما منه العقد". اهـ.

إذا تقرر هذا، فالواجب على هذا الرجل التوبة النصوح والإكثار من الأعمال الصالحة،، والله أعلم.