السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انا كنت طالب في الثانويه العامه في مصر.. انا كنت بذاكر الليل والنهار وكنت ملتزم جدا وبصلي. عندنا في مصر نظام الجديد في تعليم اسمه التابلت. لما الإمتحانات جاءت حصل غش والامتحانات كان بيتسرب بعد الامتحان نصف ساعة.. واصحابي كانوا بيغشوا من الحمامات والتليجرام. انا قولت لا انا مش هعصي الله ومش هغش. النتيجه طلعت فشلت جبت مجموع ٥٠ في الميه وشايل ماده أحياء وكل اصحابي دخلوا كليات الا انا الوحيد + هل ده جزاء انا مكنتيش بغش وقالت لا + انا دلوقتي لا اصلي وعندي سوء ظن بالله

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فمن المسلم به عند كل ذي أحد أن الاستقامةُ على صراط الله المستقيم تتطلب جهدًا ضخمًا، مع بقاءَ النفس مشدودةَ الأعصاب، مجنَّدة القُوَى، يَقِظةً للمداخل والمخارج؛ ومِن ثَمَّ كرَّر سبحانه تعالى ذِكْر الصبر في القرآن كثيرًا؛ لحاجة المؤمن له دائمًا، لا سيما عند الابتلاء، فقد يضعف الصبر ويتفلَّت أو ينفد، إذا لم يكن هناك زادٌ ومدَد مِن الطاعات الكِبار؛ ولذلك يقرن سبحانه الصلاةَ إلى الصبر؛ لأنها المعينُ الذي لا ينضَبُ، والزَّاد الذي لا ينفدُ؛ فهي تجدِّدُ الطاقة، وتزوِّد القلب؛ فيمتدُّ حبلُ الصبر ولا ينقطع، فالإنسانُ ضعيفٌ بطَبعِه، قويٌّ بربه إذا الْتَجَأَ للقوة الكبرى، لاستمدادِ العون حينما يثقل جهدُ الاستقامة على طريق الحقِّ؛ قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] إلى قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

والذي يظهر أنك قصرت بالأخذ بأسباب الهداية فلما جاءت ساعة الابتلاء لم تجد الزاد الكافي الذي يعينك على الصبر، حتى وقعت فريسة لوساوس الشيطان، فأنساك أن يداك أوكتا وفوك نفخ! وأنك من قصرت في الأخذ بأسباب النجاح حتى حصلت على تلك الدرجة! ونسيت أيضًا أن الحياةُ لا تعدو أيامًا قليلة معدودة في هذه الأرض، ومتاعًا محدودًا، يكسب المؤمن الصابر به خلودًا لا يعلم له نهاية إلا ما شاء الله، ومتاعًا غير مقطوع ولا ممنوع، فكيف لا يكون خيرًا؟!

وقعد لك الشيطان بأطرقك كلها، فأنساك ما وراء قدر الله سبحانه مِن الحكمة، وما فيه من أجر كبير للصابرين، وأنه سبحانه لكمال حكمته وإحاطة علمه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فالله تعالى كتب على نفسه الرحمة، وأنَّ رحمته تسبق غضبه حتى في ابتلائه بالضراء، ولا يطرد مِن رحمته أحدًا يرجوه، ويسبح بحمده في السراء والضراء، فالله الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إلا لخير يعلمه، مهما خفي على العباد إدراكه؛ ليعلم مَن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وليهلك مَن هلك عن بينة، ويحيا مَن حيَّ عن بينة.

 أحذر من أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، قال عبدالله بن عباس: كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر.

وقد قصّ الله علينا نبأ قوم ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، فلما جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]، قال ابن عباس أيضًا: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.

قال صاحب الظلال عند تلك الآية الكريمة: ".... ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء، ثم الادعاء العريض عند الرخاء، يرسمها في كلمات معدودات، صورة واضحة الملامح بارزة السمات: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ* وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } [العنكبوت: 10، 11]،

ذلك النموذج من الناس، يُعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل، هينة المئونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ}، بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن {اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}، فاستقبلها في جزع، واختلت في نفسه القيم، واهتزت في ضميره العقيدة وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه، حتى عذاب الله، وقال في نفسه: ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء، فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه.

هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة.

{وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ}! إنا كنا معكم، وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير، ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المهزومون، فيقولون: {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} ! {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ}؟ أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون؟

{وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ}، وليكشفنهم فيعرفون فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون.

ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول: {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ}، فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات - وللطاقة البشرية حدود- ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وبين عذاب الله العظيم فلا يختلط في حسهم أبدًا عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال، إن الله في حس المؤمن لا يقوم له شيء، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق". اهـ.

وقال أيضًا عند قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]:

"إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع، وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول.

هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن، ومن ثم يجب أن يستوي عليها، متمكنًا منها، واثقًا بها، لا يتلجلج فيها، ولا ينتظر عليها جزاء، فهي في ذاتها جزاء؛ ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه، والسند الذي يستند عليه، أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور، وطلبه للهدى، ومن ثمّ يهبه الله العقيدة ليأوي إليها، ويطمئن بها.

هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله، تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع، ويستبد بهم القلق، بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم، هادئ البال، موصول بالله، مطمئن بهذا الاتصال.

أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة: {فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ}، وقال: إن الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النفع، ويدر الضرع، وينمي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج، {وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ}، خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه، ولم يتماسك له، ولم يرجع إلى الله فيه، وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته، وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسرًا له.

والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله {عَلى حَرْفٍ}، غير متمكن من العقيدة، ولا متثبت في العبادة، يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى، ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب!

إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة، ولكنه لا يصلح للعقيدة؛ فالعقيدة حق يعتنق لذاته، بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقى؛ والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لا تطلب جزاءها خارجًا عن ذاتها.

والمؤمن يعبد ربه شكرًا له على هدايته إليه، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به، فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من الله ومنة، استحقاقًا على الإيمان أو العبادة!

والمؤمن لا يجرب إلهه؛ فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له، مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه، راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء، وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار، إنما هي إسلام المخلوق للخالق، صاحب الأمر فيه، ومصدر وجوده من الأساس.

والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: {ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ}؛ يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى، إلى جوار خسارة المال أو الولد، أو الصحة، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده، ويبتلي بها ثقتهم فيه، وصبرهم على بلائه، وإخلاصهم أنفسهم له، واستعدادهم لقبول قضائه وقدره، ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان، فيا له من خسران! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟ إلى أين يتجه بعيدًا عن الله؟ إنه {يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ}". اهـ.

إذا عرفت هذا، فعد إلى ربك بالتوبة والندم واعرف شأن نفسك وشأن ربك العلي العظيم، واعلم أن حظ الإنسان من المصيبة ما تحدثه له، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط، فاختر خير الحظوظ، أو شرها، واحذر أن تكتب في ديوان الهالكين، أو المفرطين، أو المغبونين، وأعيذك بالله أن تحدث لك اعتراضًا على الله في حكمته!

واستعن بالله وأصدق اللجء إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، ولتطرح نفسك بين يديه سبحانه، على بابه مستغيثًا به، متضرعًا متذللاً، مستكينًا، فمتى وفقت لذلك فقد قرعت باب التوفيق، وأدركت أن أفعال الله تعالى كلها لا تَخرُج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يَجُور في حكمِه وفعله ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، ولا يخرج شيءٌ عن موجَب ما تَقْتَضيه أسماؤُه وصفاته مِن العدل والحكمة، والرحمة والإحسان والفضل، ووضع والعطاء والمنع في مَوضِعه، فلا يخاف العبدُ جورَه ولا ظُلمَه، ولا يَخُرج تصرُّفه في عبادِه عن العدل والفضل إن أعطى وأكرَم وهدَى ووفَّق، فبفضله ورحمته، وإنْ منَع وأهانَ وأضلَّ وخذَلَ وأشقى، فبعدلِه وحكمته، ومِن عدله وحكمته ألا يُسوِّي بين عبادِه في العطاء ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين المحسن والمسيء؛ فإنَّ التَّسْويةَ بينهما منتهى الظُّلم، فتدبر! والله أعلم.