السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أريد معرفه: ما هي البدعة؟ وهل كل شيء لم يَرِدْ عن الرسول بدعةٌ؟

والشكر لكم.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

  فالبدعة لغةً كما قال ابن منظور:

"بَدَعَ الشيءَ يُبدعه بدْعًا وابْتَدَعَهُ: أنشأه وبدأه ... البديع، والبدع: الشيء الذي يكون أوَّلاً، وفي التنزيل : {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ}؛ أي: ما كنتُ أوَّل مَنْ أُرسلَ، وقد أُرسلَ قبلي رُسُلٌ كثيرٌ.

والبدعة: الحَدَث، وما ابتُدِع من الدين بعد الإكمال، وأبدع وابتدع وتبدَّع: أتى ببدعةٍ. قال الله تعالى : {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}، وبدَّعه: نسبه إلى البدعة.

واستبدَعَه: عدَّه بديعًا. والبديع: المحدَث العجيب. والبديع: المبدَع، وأبدعت الشيء: اخترعتُه لا على مثالٍ".

والبدعة في المذهب:

"إيرادُ قولٍ لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة، وأماثلها المتقدِّمة وأصولها المتقنة".

وقال أبو البقاء الكَفَوي: "البدعة كلُّ عملٍ عُمِلَ على غير مثالٍ سَبَق؛ فهو بدعةٌ".

تعريف البدعة اصطلاحًا:

اختلفت أنظار العلماء في تعريف البدعة وتحديد مفهومها؛ فمنهم من حصر البدعة في باب العبادات؛ فضيق مفهومها، فقَصَرها على الابتداع في باب العبادات اصطلاحًا.

ومنهم من وسَّع مفهومها، فأطلقها على كلِّ مُحدَث من الأمور، ومن هؤلاء: الإمام عز الدين بن عبدالسلام - سلطان العلماء - وابن الجَوْزي، وأبو شامة المقدسي، والنَّووي، والعَيْني، وابن الأثير، والقرافي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي .. وغيرهم، كلهم على أن البدعة تُطلق على كلِّ محدَثة لم توجد في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولا في سنة رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم - سواءٌ أكانت في العبادات أم العادات، وسواء أكانت محمودةً أو مذمومةً.

ويرى هؤلاء العلماء أنَّ البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة، فإن وافقت السنَّة فهي حسنة محمودة، وإن خالفت السنة فهي سيئة مذمومة.

وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة؛ قال الإمام النَّووي – رحمه الله -: "البدعة - بكسر الباء - في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم".

وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن البدعة مخالفة للسنة ومذمومة شرعًا؛ لأنها محدَثة لا أصل لها في الشرع، وعلى هذا: الإمام مالك، والبيهقي، والطرطوشي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والزَّرْكشي، وابن رجب، والشُّمَنِي الحنفي .. وغيرهم، واختاره جماعة من العلماء المعاصرين.

فالبدعة:

الأمر المُحْدَث المخالِف للسنة، والذي جعله المبتدِع دينًا، وعلى هذا مشى الشَّاطبي في أحد تعريفَيْه للبدعة؛ حيث عرَّف  - رحمه الله - البدعة بقوله: "البدعة طريقةٌ في الدِّين مُخترَعةٌ، تضاهي الشرعيَّة، يُقصد بالسُّلوك عليها المبالغةُ في التَّعبُّد".

وقوله: "تضاهي الشَّرعية" يعني: تُشبِه الطَّريقة الشَّرعية، لكنها في الحقيقة مضادةً لها، وقد مثَّل الشَّاطبيُّ - رحمه الله - لذلك بالتزام كيفيَّات وهيئات معيَّنة لم تَرِد في الشرع، كالذِّكر بهيئة الاجتماع على صوتٍ واحدٍ". 

ومما سبق يتبين: أن البدعة لا تكون إلا في الدِّين، وليس في العادات؛ ولهذا قال الرَّاجِز:

وَالأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ حِلٌّ وَامْنَعِ = عِبَادَةً إِلاَّ بِإِذْنِ الشَّارِعِ

فكلُّ عبادة لم يفعلها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع وجود المقتضي لها، وعدم المانع منها - تسمَّى (بدعة)، مثل اختراع أذكار، واتِّخاذ يوم ولادة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عيدًا  أو التزام العبادات المعيَّنة في أوقاتٍ معيَّنة لم ترد في الشرع.

وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَنْ أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ))؛ رواه البخاري ومسلم، عن عائشة - رضي الله عنها - وفي رواية لمسلم: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا؛ فهو رَدٌّ)).

وقال - صلى الله عليه وسلم :- ((وإيَّاكم ومُحْدَثَات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة))؛ رواه مسلمٌ، عن جابر - رضيَ الله عنه.

فليس كلُّ ما لم يفعله الرسول بدعة، إلا في العبادات المحضَة، أما أمور الدنيا كالمخترعات الحديثة وغيرها؛ فلا تدخل في حدِّ البدعة، وكذلك كثيرٌ من الوسائل، إذا كانت الغاية مأمور بها شرعًا، والوسيلة مسكوتٌ عنها؛ فحكمها حكم غايتها وجوبًا واستحبابًا، وتحريمًا وكراهيًة وإباحةً، وذلك مثل استخدام المعدَّات الحديثة في الدعوة إلى الله، من حاسوب وشريط وغيرها، ومثل استخدام المخترعَات الحديثة في الجهاد وغير ذلك.

أما الوسائل التي نصَّ الشرع على حرمتها أو وجوبها؛ فهي خارجةٌ عن بحثِنا،،، والله أعلم.