السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لقد تزوجت بامراة مسلمة من دوله غير عربية اعجبت بها وتوسمت فيها الخير لكن بعد اتمام الزواج ظهر اي انها كانت لديها الكثير من الاصدقاء من الشباب وكانت تحدث تجاوزات بينهم هي ترجع ذلك للبيئة التي كانت تعيش بها وانا هذا مقبول لديهم لكن لهذا الامر تاثير كبير علي حالتي النفسية وثقتي بنفسي وثقتي بها رغم انها طيبة القلب لكن دائما اتخيل هذة التجاوزات ولا تذهب عن بالي اريد ان اطلقها خوفا من ان اكون ظالمًا وفي الوقت نفسة اشعر اعيش في حزن وحاله نفسية صعبة وقلق

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

فإنَّ الأصلَ في الطلاق الحظر، وإنما يُباح للحاجة المعتبرة والدواعي الطارئة، من أجل هذا جعله الإسلام في أضْيق الحدود، ونهاية المطاف بعد فشل جميع محاولات التوفيق؛ لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقتْ به المصالحُ الدينية والدنيويَّة، وما ينتج عن هذا الزواج من ذُرية طيبة، فلا يقدم عاقل على حلِّ ذلك الميثاق الغليظ، ما دامتْ الزوجة مستقيمة، وليس هنالك ما يدعو لطلاقها، وحتى وإن كره منها بعض الصفات، فقد قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر))؛ رواه مسلم.

 قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة - رحمه الله -:

"الأصل في الطَّلاق الحظر، وإنَّما أُبيح منه قدْر الحاجة؛ كما ثبتَ في الصَّحيح عن جابرٍ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ إبليس ينصب عرشَه على البحْر، ويبعث سراياه، فأقربُهم إليه منزلةً أعظمُهم فتْنة، فيأتيه الشَّيطان فيقول: ما زلت به حتَّى فعل كذا، حتَّى يأتيه الشَّيطان فيقول: ما زلتُ به حتَّى فرَّقتُ بينه وبين امرأته، فيدْنيه منه، ويقول: أنت أنت، ويلتزِمُه)).

وقد قال - تعالى - في ذمِّ السحر: {فَيتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102]، وفي السُّنن عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ المختلعات والمنتزعات هنَّ المنافقات))، وفي السُّنن أيضًا عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((أيما امرأةٍ سألت زوجَها الطَّلاق من غير ما بأسٍ، فحرامٌ عليها رائحة الجنَّة))؛ ولهذا لَم يُبِحْ إلاَّ ثلاث مرَّات، وحرمت عليه المرأة بعد الثَّالثة، حتَّى تنكح زوجًا غيره". اهـ.

أما الرغبة في الطلاق بسبب ماضي زوجتك، فلا شك أنه ظلم لها؛ لأن كل إنسان ينتقل من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، وليس هذا نقصًا عند جميع العقلاء، بل هو من أعظم نعم الله، وأعظم قدرته؛ حيث ينقل العباد من النقص إلى الكمال، ومن الضلال إلى الهداية، فمن يذوق الشر والخير ويعرفهما، يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير؛ كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وقيل له: فلان لا يعرف الشر. قال: ذاك أجدر أن يقع فيه.

فاقطع عنك وساوس الشيطان، واحذر من الاسترسال معها؛ فإنَّ ((التائب مِن الذنب، كمن لا ذنب له))، والله - سبحانه - يرفع عبده بالتوبة، وهو سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويبدل بالتوبة السيئات حسنات، والمقصود كمال النهاية لا نقص البداية.

وتأمل ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (2/ 429-430) وهو يقرر تلك القاعدة: "فليس من تاب إلى الله تعالى، وأناب إليه بحيث صار بعد التوبة أعلى درجة مما كان قبلها، منقوصًا، ولا مغضوضًا منه، بل هذا مُفضل عظيم مكرم.

وإذا عرف أن أولياء الله يكون الرجل منهم قد أسلم بعد كفره، وآمن بعد نفاقه، وأطاع بعد معصيته، كما كان أفضل أولياء الله من هذه الأمة - وهم السابقون الأولون - يبين صحة هذا الأصل، والإنسان ينتقل من نقص إلى كمال، فلا ينظر إلى نقص البداية، ولكن ينظر إلى كمال النهاية، فلا يعاب الإنسان بكونه كان نطفة ثم صار علقة ثم صار مضغة، إذا كان الله بعد ذلك خلقه في أحسن تقويم.

وكذلك التوبة بعد السيئات؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة: 222]، وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه أنه قال: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة، عليها طعامه وشرابه، فقال تحت شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا بدابته عليها طعامه وشرابه، فكيف تجدون فرحه بها؟ قالوا: عظيمًا يا رسول الله، قال: لله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته"

إلى أن قال(2/ 433): "... كذلك قال بعض من كان من أشد الناس عدواة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان من أشد الكفار هجاء وإيذاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلما تاب وأسلم كان من أحسن الناس إسلامًا، وأشدهم حياءً، وتعظيمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الحارث بن هشام، قال الحارث: ما نطقت بخطيئة منذ أسلمت، ومثل هذا كثير في أخبار التوابين، فمن يجعل التائب الذي اجتباه الله وهداه منقوصًا بما كان من الذنب الذي تاب منه، وقد صار بعد التوبة خيرًا مما كان قبل التوبة= فهو جاهل بدين الله تعالى وما بعث الله به رسوله". اهـ.

وعليه، فالواجب عليك مجاهدة نفسك، والاستعانة بالله تعالى بصدق اللجوء من نزغات الشيطان، وقطع الخطرات وعدم الاسترسال معها، وأعظم ما يعينك على هذا بعد الدعاء هو الصلاة وقراءة القرآن الكريم بتدبر، والمداومة على الأذكار المشروعة،، والله أعلم.