السؤال:

السلام عليكم ،أما بعد ،كنت في الماضي على غير الإسلام ،كنت كافرا ،لكن ليس هذا و حسب ،بل كنت كذلك أحارب الدين بكل ما أوتيت من قوة ،أكذب بآياته و أسعى في تعجيزها ،و أستهزء بآيات الله إن بلغتني و أتخذها هزوا ،و أسب الإسلام و أطعن فيه و أشنع عليه ،بل و قد كنت أدعوا إلى الكفر و قد شككت بعض الناس في دينهم ،لكن الآن بفضل الله تبت إلى الله بسبب آية من القرآن ،و هي : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ،و لما سمعتها أحسست أنها تخاطبني . سؤالي هل لي من توبة ؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فإن من سَعةِ فضْلِ اللهِ تعالى، ورحمته ولُطفه بعباده، وبِرِّه ورَأفتِه بخَلْقِه، أنَّه يقبل توبة المرتد، فكل من سعى في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، ثم تاب من قريب، فإن الله يتوب عليه.

وأما من أصرَّ على الكفر، ولم يزدد إلا كفرًا حتى مات الذين، فلا تقبل توبتهم؛ كما قال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران: 86 - 88].  

واستثنى تعالى من هذا الوعيد: التائبين من كفرهم وذنوبهم، المصلحين لعيوبهم، فإن الله يغفر لهم ما قدموه، ويعفو عنهم ما أسلفوه؛ فقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89].

وورد في سبب نزول الآية ما رواه أحمد، وابن حبان، والطبري في "تفسيره" (6/572) والحاكم، والبيهقي، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2869)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، فَأَرْسَلُوا إِلَى قَوْمِهِمْ يَسْأَلُونَ لَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وفي رواية عند النسائي (2/ 170) ، وابن جرير (3/ 241): "كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ؛ ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالشركِ؛ ثم تَنَدَّمَ، فأرسل إلى قومِهِ: سَلُوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل له من توبةٍ؟ فجاء قومُهُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنَّ فلاناً قد نَدِمَ، وإنّه أمَرَنا أن نسألك: هل له من توبةٍ؟ فنزلت: {كَيْفَ يهدِي اللهُ قوماً كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِم} إلى قوله: {غفورٌ رحيمٌ}، فأرسل إليهِ قومُه فأَسلَم".

والحاصل أنَّ كل من تاب ورجع تاب الله عليه، وغفِر له ما قدَّمه، ويَعْفو عنه ما أسلَف، ولكنْ مَن كفَرَ أو ارتدّ وثبت على كُفرِه، واستمر عليه إلى الممات، لن تقبل لهم توبة عند الممات؛ كما قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17، 18]، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (2/ 358):

"... والذنب وإن عظم، والكفر وإن غلظ وجَسُمَ، فإن التوبة تمحو ذلك كله؛ والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، بل يغفر الشرك وغيره للتائبين؛ كما قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها للتائبين.

وأما قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فإنها مقيدة خاصة؛ لأنها في حق غير التائبين، لا يغفر لهم الشرك، وما دون الشرك معلق بمشيئة الله تعالى". اهـ.

 إذا تقرر هذا؛ فيجب عليك التَّوبة النَّصوحُ: من الإقلاع على الفَوْرِ والمُبادرة بالتوبة والاستغفار، والنَّدم على ما فعلت، والعزم الجازم على عدم العود أبدًا تعظيمًا لله سبحانه، وإخلاصًا له، وحذرًا من عقابِه.

فالعبرة في الإنسان بما هو عليه الآن، والمعتبر في خلق الله بكمال النهاية لا نقص البداية؛ فالأعمال بالخواتيم.

جاء في "منهاج السنة النبوية" (2/ 429): "... وإذا عرف أن أولياء الله يكون الرجل منهم قد أسلم بعد كفره وآمن بعد نفاقه وأطاع بعد معصيته، كما كان أفضل أولياء الله من هذه الأمة - وهم السابقون الأولون - والإنسان ينتقل من نقص إلى كمال، فلا ينظر إلى نقص البداية ولكن ينظر إلى كمال النهاية". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.