من استيقظ لصلاة الفجر في وقتها، ولكنه ظل قليلًا على فراشه، ثم قام وتوضأ ليصلي، فإذا بالوقت قد خرج، فهو لم يتعمد، أو يعزم على أدائها بعد الوقت، فهل هذا يخرج من الملة؟ وهل هذا محل خلاف بين العلماء؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فيجب على كل مسلم أن يصلي الفرض في وقته، ولا يأثم بالنوم بعد دخول الوقت، إن غلب على ظنه أنه سينتبه للصلاة فيؤديها في وقتها.

فإن نام عازمًا على أداء الصلاة في الوقت، ثم غلبه النوم، فلم ينتبه إلا بعد خروج الوقت، فلا إثم عليه، ولا يقع الكفر بما حصل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى. رواه مسلم، وأبو داود. ولقوله صلى الله عليه وسلم: إنه لا تفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة. رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي عن أبي قتادة.

ولا يجوز لك أن تنام بعد دخول الوقت، إذا علمت، أو غلب على ظنك أنك لن تقوم إلا بعد خروج وقتها.

وفي كل الأحوال، إذا خرج الوقت قبل أن تستيقظ، فإنه يلزمك أن تقضي الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: أقم الصلاة لذكري. رواه مسلم.

قال الإمام الشوكاني شارحًا الحديث: إنه لا تفريط في النوم...: ظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم، سواء كان قبل دخول وقت الصلاة، أو بعده، قيل: تضيقه، وقيل: إذا تعمد النوم قبل تضيِّق الوقت، واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة؛ لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت، كان آثمًا، والظاهر أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم؛ لأنه فعله في وقت يباح فعله، فيشمله الحديث، وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك، فلا إشكال في العصيان بذلك، ولا شك في إثم من نام بعد تضيق الوقت؛ لتعلق الخطاب، والنوم مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع. انتهى. 

وقال العدوي -رحمه الله- نقلًا عن الأجهوري: يجوز للإنسان أن ينام بالليل، وإن جوز، أي اعتقد، أو ظن أن نومه يبقى حتى يخرج وقت صلاة الصبح؛ إذ لا يترك أمرًا جائزًا لشيء لم يجب عليه، كما نقله الباجي عن الأصحاب.

وأما النوم بعد دخول الوقت: فإن علم، أو ظن أنه يبقى حتى يخرج الوقت، فإنه لا يجوز. انتهى. أي: ما لم يوكل من يوقظه ممن يثق به. ومفاده أنه لو شك في الخروج، فإنه يجوز له. انتهى من حاشية العدوي على الخرشي.

وجاء في حواشي التحفة: وإن نام بعد دخول الوقت، فإن غلب على ظنه الاستيقاظ قبل خروج الوقت، فلا إثم عليه ـ أيضًا ـ وإن خرج الوقت، لكنه يكره له ذلك، إلا إن غلبه النوم بحيث لا يستطيع دفعه، وإن لم يغلب على ظنه الاستيقاظ أثم، ويجب على من علم بحاله إيقاظه حينئذ. انتهى.

وفي المنثور في القواعد الفقهية للزركشي في المذهب الشافعي: وأما النوم بعد دخول الوقت، فإنه يجوز إذا علم أنه ينتبه قبل خروجه. انتهى.

وجاء في فتاوى الشيخ ابن باز ـ رحمه الله تعالى-: فإذا غلبه النوم مع غير الاختيار، ولا قصد، فالله يعذره، مثلما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس في النوم تفريط ـ إذا كان من غير تساهل، إذا غلبه النوم من تعب ومرض، لكن ليس له أن يتساهل، بمعنى أن يتأخر في النوم، أو يأتي وقت الصلاة ينام، أو ما شابه، يتحرى النوم في الأوقات المناسبة، يتعاطى أسباب اليقظة بالساعة أو بالموقظين، والله جل وعلا هو يعلم السرائر، فإذا علم سبحانه أن العبد مجتهد، وحريص، ولكن غلبه الأمر، فلا شيء عليه: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ـ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ـ لكن المعصية أن يتساهل، وألا يبالي. اهـ.

وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى إيجاب اتخاذ المنبه، إذا علم المرء أن نومه سيستغرق كل الوقت، إذا لم يجد من يوقظه، مستدلين بأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة التصريح بوجوب ذلك، حيث قالت: يجب على المسلم أن يفعل الأسباب التي تعينه على الاستيقاظ من النوم مبكرًا، ووضع المنبه، أو الطلب ممن يستيقظ مبكرًا، أن يوقظه لصلاة الصبح. اهـ.

وقال الشيخ ابن عثيمين فيمن تأخر عن النوم، أو ترك الأخذ بالأسباب حتى فاته الفجر: يجب عليه أن يعمل كل الأسباب التي تجعله يصلي الفجر جماعة، ومن ذلك أن ينام مبكرًا؛ لأن بعض الناس يتأخر في النوم، ولا ينام إلا قبيل الفجر، ثم لا يتمكن من القيام، ولو وضع المنبه، ولو أمر من ينبهه؛ لذلك نحن ننصح هذا وأمثاله بأن يناموا مبكرين حتى يقوموا نشيطين ويصلوا جماعة, أما هل هو آثم؟ نعم، هو آثم إذا كان هذا بسببه، سواء كان بتأخره في المنام، أو كان ذلك بترك الاحتياط بالاستيقاظ، فإنه آثم. اهـ.

 والله أعلم.