السؤال:

السلام عليكم امراة متزوجة تسأل و تبحث عن حل شرعي لمشكلتها بحيث انها نشزت و نفرت من زوجها لكثرة اساءته معاملتها ودفعه لها لكل محاولة تقربها منه مع العلم انه من ظلمها و تكرار هذه الاخيرة ادت الى موت مشاعرها تجاه زوجها ولا تريد الطلاق منه من اجل الحفاظ على اولادها كي لا يتاثروا و يتضرروا من علاقة والديهما مع العلم انه اب جيد لاولاده فلا تريد ان تفرق بينهم ولكنها لا تتحمل ان يلمسها زوجها و هذا حقه الشرعي و تخاف من ان تلعنها الملائكة لذلك فلا تدري ماذا تفعل لانها كل ما لمسها زوجها تتذكر اساءته لها

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فمما لا شك فيه أن شأن الأسرة في الإسلام عظيم للغاية؛ ومن يتأمل ما ورد في كتاب الله الكريم من آيات يدرك ذلك، فتعبيرات القرآن العظيم الحانية الرفيقة الندية عن رباط الزوجية، وتصويره العلاقة الأسرية تصويرًا رفافًا يشع منه التعاطف ويفوح منه العبير؛ قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الروم: 21] {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، وقال {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

 غير أنه قد جرت العادة في كثير من الأحيان ولأسباب كثيرة أن هذه الصورة تحتاج لكثير من الوقت حتى تتحقق في واقع الناس.

ولتحقيق تلك المودة والرحمة يتعين على كلا الزوجين غض الطرف عن مقتضى الكراهة، من الأخلاق الذميمة، والنظر لما يحب من الشيم والأخلاق والطباع، وهذا من العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فلا يوجد رجل ولا امرأة بلا عيب، فهذه طبيعةُ البشر، والسعيدُ مَن يَنظر إلى الإيجابيات ويتحفَّى بها، ويتجنب السلبيات ولا يضخمها، فإن لم يستطع هذا فلا أقل من الإنصاف، وهو الموازنة بين الحسنات والنقائص، وأيهما رجحتْ كفتُه ملت إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بهذا؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كَرِه منها خلقًا رضِي منها غيره))؛ رواه مسلم.

وهي أيضًا وصية الله سبحانه التي أمر بها كلا الزوجين؛ فقال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، قَالَ سبحانه وتَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]؛ أي: ينبغي عليكم - أيها الأزواج - أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهنَّ، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.

 فيتعين على تلك الزوجة طي تلك الصفحة بمرها، وتبدأ صفحة جديدة ولا يتم هذا إلا بالصبر وتترك المراء اللوم والعتاب واجترار مرارة الماضي؛ لأنه يجفف نبض الحب في القلب، ويزيد الشقة بينهما، وأكثر ما يعينها على ذلك وضَعْ محاسن زوجها أمام عينيها، واستبدال النفرة بالقرب منه، ولتحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، وكل هذا يحتاج لتجرد النفس وثباتها وصلابتها، ووفائها وشفافيتها، وتحقيق الاستعانة بالله والاستعاذة به من الشيطان، وتحتاج إلى الإكثار مِن قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلفظُ الحول يتناول كلَّ تَحوُّل مِن حالٍ إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك التحول؛ فـ"ليس للعالَم العُلوي والسفلي حركة وتحوُّل من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك إلا بالله كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية"، وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى (10/ 137): "وليكن هِجِّيراه: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها بها تُحمل الأثقال، وتُكابَد الأهوال، ويُنال رفيع الأحوال، ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإنَّ العبد يستجاب له ما لم يعجلْ، فيقول: قد دعوتُ ودعوتُ، فلم يستجبْ لي، وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرَج مع الكرب، وأنَّ مع العُسر يسرًا، ولم ينلْ أحدٌ شيئًا مِن ختم الخير نبي فمن دونه إلا بالصبر". اهـ.

أيضًا فإنه يَحرُم على الزوجة أن تمتنع عن فراش زوجها إذا دعاها إليه ما دامت على ذمته، ولم يكن ثَمَّ مانع شرعي من حيض أو نفاس أو حيض أو مرض.

وقد وردت في حق من تمتنع عن زوجها قوارع تتصدع لها القلوب وترجف لها الأفئدة؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تُصبح)).

وعنه كما في الصحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها)).

وفي "المسند" وغيره من حديث عبد الله بن أبي أوفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((... والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى لو سألها نفسها وهي على قَتَب لم تمنعه)). 

وعن طلق بن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا دعا الرجل زوجته لحاجته، فَلتَأته وإن كانت على التَّنور))، رواه النسائي والترمذي، وقال: "حسن صحيح"، وصححه ابن حبان.

قال صاحب "الإقناع": "وللزوج الاستمتاع بزوجته كل وقت على أي صفة كانت إذا كان في القبل - ولو من جهة عجيزتها - ما لم يشغلها عن الفرائض، أو يُضر بها، ولو كانت على التنور أو على ظهر قَتَب".

قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي" عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وإن كانت على التَّنُّور))، قال: "وإن كانت تخبز على التنور، مع أنه شغل شاغل لا يتفرغ منه إلى غيره إلا بعد انقضائه".

فمن هذه النصوص يَتبيَّن أنه لا يجوز للمرأة أن تمَنع زوجها إذا دعاها للفراش، ولو كانت في شغل شاغل،، والله أعلم.