السؤال:

سلام الله الجليل عليكم و رحمته و بركاته أتمنى أن تكونوا بأفضل حال، أنا على أبواب طلاق و لكن لم يصدر حكم المحكمة لسبب الوباء فتأخر و طال بي الأمر و لم أستطع الزواج لتعطيل صدور حكم الطلاق...، و أصبحت شهوتي مفرطه و الحمد لله الذي منى على بعدم الوقوع في محرمات العادة أو ما شبه أعاذنا الله عز و جل.. و لكن أصبحت أتخيل الجماع مع طليقي، فهل هذا لا يجوز و يعد عاده سرية؟ و ماهو حكمه أيضا إن كان التخيل مع رجل آخر؟ وفقكم الله في خدمة المسلمين و جازاكم من فضله الواسع و بشرى تسر أرواحكم.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فمما لا شك فيه أن التَخَيُّل للأمور الجنسية هو من هوى القلب واشتهائه، وقد ورد ذمه في حديث أبى هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((كُتِبَ على ابن آدم نصيبُه من الزِّنا مُدرِكٌ ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْل زِنَاها الخُطَا، والقلب يَهوَى ويَتَمنَّى، ويُصَدِّق ذلك الفَرج ويُكَذِّبُهُ))؛ متفق عليه.

فبين الحديث أن التخيلات الجنسية من الزنا المجازي، والحكمة من النهي عنه أنه يجر صاحبته إلى الوقوع في الحرام؛ فإن المُقَدِّمات من حيث كونها طلائع وأمارات تؤذِن بوقوع ما هي وسيلة إليه.

وقد نصّ كثير من أهل العلم على حرمة تلك التخيلات؛ كما جاء في "المُفهِم" للإمام أبو العباس القرطبي في معرض شرحه لحجيث أبي هريرة السابق: "يعني : أن هواه وتمنيه: هو زناه، وإنما أُطْلِق على هذه الأمور كلها: زنا؛ لأنها مقدماتها، إذ لا يحصل الزنا الحقيقيُّ - في الغالب - إلا بعد استعمال هذه الأعضاء في تحصيله".

وقال الإمام النووي في "شرح مسلم": "معنى الحديث أن ابن آدم قُدِّر عليه نصيب من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقياً بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازًا بالنظر الحرام، اوالاستماع إلى الزنى وما يتعلق بتحصيله، أو النظر، أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية، ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب".

هذا؛ وقد اختلف الفقهاء في الرجل يجامع زوجته وهو يتخيل امرأة أخرى، وكذا المرأة يجامعها زوجها وهي تتخيل رجلاً آخر فذهب الأكثر إلى أن ذلك حرام، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية.

قال ابن عابدين - الحنفي - في "حاشيته": "والأقرب لقواعد مذهبنا عدم الحِلِّ؛ لأن تَصَوُّر تلك الأجنبية بين يديه يَطَؤهَا فيه تصوير مُبَاشَرة المعصية على هيئَتِها، فهو نظير مسألة الشرب، ثم رأيت صاحب "تبيين المحارم" من علمائنا نقل عبارة ابن الحاج وأقرَّها".

وقال ابن الحاج-  المالكي - في كتابه "المدخل": "ويتعين عليه أن يَتَحَفَّظَ على نفسه بالفعل، وفي غيره بالقول من هذه الخصلة القبيحة التي عمت بها الْبَلْوَى في الغالب، وهي أن الرجل إذا رأى امرأة أعجبته، وأتى أهله جعل بين عينيه تلك المرأة التي رآها، وهذا نوع من الزنا، لما قاله علماؤنا فيمن أخذ كُوزاً من الماء فصوَّر بين عينيه أنه خمر يشربه، أن ذلك الماء يصير عليه حراماً، وهذا مما عمت به الْبَلْوَى".

وقال ابن مفلح- الحنبلي – في كتاب "الآداب الشرعية": "وقد ذكر ابن عقيل وجزم به في الرعاية الكبرى: أنه لو استحضر عند جِماع زوجته صُورَةَ أَجْنَبِيَّةٍ مُحَرَّمَةٍ أنه يأثم".

أما الشافعية فالمعتمد عندهم الجواز ذلك، على ما حكاه ابن حجر الهيتمي في "تحفة المُحتاج شرح المنهاج".

إذا تقرر هذا فلا يجوز التخيلات الجنسية للمرأة عموما إن كان من تتخيله أجنبي عنها وليس زوجها.

فيجب عليك الصبر عن المحرمات،، وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها؛ قال - تعالى -: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33]؛ و"الاستعفاف" هو ترك المنهي عنه؛ كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من يستعفِفْ يعفَّه الله، ومن يستغن يغنِهِ الله، ومن يتصبرْ يصبِّرْه الله، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر))،  فالمستغني لا يستشرف بقلبه، والمستعفف هو الذي لا يسأل الناس بلسانه، والمتصبر هو الذي  يتكلف الصبر.

وأكثري من الصيام والأعمال الصالحة عمومًا،، والله أعلم.