السؤال:

السّلام عليكم ورحمة الله و بركاته نحن في تونس تباع قطع الدّجاج منفصلة و يغلب على الضّنّ أن هذا الدّجاج مذبوح على الطّريقة الإسلاميّة لكن في بعض الأحيان نسمع أنّه تسعمل آلات للذّبح الجماعي كما أنه في مرّات نادرة عند شراء رقاب تجد أنّ خرزة الدّجاج التي من المفروض أن تكون مقطوعة تجد أنّها سليمة لكنّها من الجهة السّفلى ليست من جهة الرّأس فهل أكل هذه الرّقاب محرّم وهل يحرم أكل قطع أخرى من الدّجاج دون العلم إن كانت قد ذبحت بطريقة صحيحة بالتّسمية وغير ذلك أم لا ؟ الرّجاء التّفصيل وجازاكم الله خيرا.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومن والاه، أمَّا بعدُ:

فقد أجمع أهل العلم على أنه عند الشك في حكم شيء أننا نرجع إلى الأصل، بمعنى أن الأشياء التي أصلها الحل كالماء والثياب وعامة ما خلقه الله تعالى في الأرض، يحكم بحله إذا طرأت عليها شبهة معتبرة؛ لأن أصلها الحل فلا ينقل عنه إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يُقدم عليه.

أما ما كان أصله الحظر كالنساء ولحوم الحيوان، فلا تحل إلا بيقين يحله من التذكية والعقد، وعند التردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر، أو الاشتباه يرجع إلى الأصل، ويبنى على التحريم، فإذا اختلطت أخته بأجنبية حرمتا، وإذا اختلطت ميتة بمذكاة حرمتا، وإذا وقع الاشتباه حرم الجميع؛ كما في الصحيحين عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه"، قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبًا آخر؟ قال: "فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر".

جاء في "معالم السنن" (3/ 57) للإمام الخطابي الشافعي:

"وأما الشيء إذا كان أصله الحظر وإنما يستباح على شرائط وعلى هيئات معلومة، كالفروج لا تحل إلاّ بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة؛ فأنه مهما شك في وجود تلك الشرائط وحصولها يقيناً على الصفة التي جعلت علمًا للتحليل: كان باقيا على أصل الحظر والتحريم، وعلى هذا المثال فلو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات ولم يميزها بعينها وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان القسمان حكمهما الوجوب واللزوم". اهـ.

وفي الصحيح عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد، قال: "إذا رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك".

جاء في "معالم السنن" (4/ 291): "إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء لإمكان أن يكون الماء غرقه، فهلك من الماء لا من قتل الكلب، وكذلك إذا وجد فيه أثر لغير سهمه، والأصل أن الرخص تراعى فيها شرائطها التي لها وقعت الإباحة، فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي، وهذا باب كبير من العلم". اهـ.

وقال النووي في شرحه على مسلم (13/ 78) لحديث عدي: "فيه بيان قاعدة مهمة وهي، أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان، لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه وهذا لا خلاف". اهـ.

وقرر ذلك الأصل الشاطبي كتابه "الموافقات"، و ابن قدامة في "المغني"، وابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" وابن القيم الجوزية في كتابيه: "أعلام المواقعين"، "أحكام أهل الذمة"، وأيد كلامه (1/ 529): بأن باب الذبائح على التحريم إلا ما أباحه الله ورسوله، فلو قدر تعارض دليلي الحظر والإباحة، لكان العمل بدليل الحظر أولى لثلاثة أوجه: تأيده بالأصل الحاظر، إنه أحوط، أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا ورجع إلى أصل التحريم". اهـ.

 إذا تقرر هذا، فإن كان الحال كما ذكرت فلا يحل الأكل من ذلك الدجاج لورود الشك المعتبر، فيستصحب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه وهو حجة، وهو التحريم،، والله أعلم.