السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ما الفائدة من قول الله تعالى في الآية العاشرة من سورة البقرة ( ولهم عذاب أليم ) والعذاب لا يكون إلا أليما؟ فالعذاب: هو الألم النفسي أو الجسدي الشديد ، والأليم: هو المؤلم الموجع . وجزاكم الله خيرا .

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فإن الله تعالى وصف العذاب بأنه أليم كما في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]

العذاب في اللغة هو العقاب والنكال وكل ما يشق على النفس، ويصاحبه شعور بألم ولذلك حسن أن يوصف العذاب بأنه مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، ولكل وصف منها جهة؛ فالألم هو إحساس النفس بما يتبعها، والعذاب العظيم هو العذاب الذي يبلغ القمة، ومع العذاب العظيم، نجده أليماً أيضا، فيكون العذاب الأليم العظيم مؤلما للمادة، لكن النفس قد تكون متجلدة متأبية، ثم تنهار، حينئذ يكون العذاب مهينا.

 وغيرها من الأوصاف التي وردت في القرآن الكريم، والأليم بمعنى وجيع؛ لأن العذاب يتفاضل ويتفاوت بحسب مقدار الجرم المرتكب، ومن ثم فهو يزيد وينقص ويغلظ ويدق، ويشتد ويخف، وكذلك وصف العذاب بأنه ملح دائم ملازم؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65].

أما وصف العذاب نفسه بأنه أليم، بمعنى مؤلَم، لبيان أن الألم بلغ الغاية، لأن المنافقين والكفار غارقون في المادية آثر الله وصف العذاب بأنه أليم؛ لأن الإيلام يكون للمادة، فالعذاب قد استولى على وجودهم، وأحاط بذواتهم، ونفذ في بواطنهم بحيث تحولوا بنفس العذاب، وصار العذاب عين ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرة نار بنفوذ النار.

جاء في "التحرير والتنوير" (1/ 282):

"والأليم فعيل بمعنى مفعول، لأن الأكثر في هذه الصيغة أن الرباعي بمعنى مفعل، وأصله عذاب مؤلم بصيغة اسم المفعول، أي مؤلم من يعذب به على طريقة المجاز العقلي؛ لأن المؤلم هو المعذب دون العذاب؛ كما قالوا جَدَّ جِدُّه، أو هو فعيل بمعنى فاعل من ألم بمعنى صار ذا ألم، وإما أن يكون فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم بكسر اللام".

وقال الرازي في "التفسير الكبير" (2/ 305):

"ووصف العذاب به فهو نحو قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيعٌ، وهذا على طريقة قولهم: جد جده، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد"

وكذلك قاله الإمام الطبري في تفسيره (1/ 283): "والأليم: هو المُوجعُ. ومعناه: ولهم عذاب مؤلم. بصرفِ "مؤلم" إلى"أليم"، كما يقال: ضَرْبٌ وجيعُ بمعنى مُوجع، والله بَديع السموات والأرض، بمعنى مُبْدِع. ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقنُي وأَصْحَابِي هُجُوعُ

بمعنى المُسْمِع، ومنه قول ذي الرمة:

وَتَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ ... يَصُدُّ وُجُوهَهَا وَهَجُ أَلِيمُ

وإنما الأليم صفةٌ للعذاب، كأنه قال: ولهم عذاب مؤلم. وهو مأخوذ من الألم، والألم: الوَجَعُ.

ثم روى بإسناده عن عن الضحاك في قوله أليم، قال: هو العذاب المُوجع. وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع.

إذا تقرر هذا، فوصف العَذاب بأنه أَلِيمٌ يعني: وجيع، يخلص وجعه إلى قلوبهم،، والله أعلم.