السؤال:

هل منعُ الكلامِ أثناء خُطبة الجمعة يشمل خطأ الخطيب في آية أو ذكره أمراً منكراً وضلالةً؟
 

الإجابة:

أولاً: الأصل المقرر عند جماهير فقهاء الإسلام هو منعُ الكلام أثناء خطبة الجمعة، ووجوبُ الإنصات لها حتى لو كان الكلامُ أمراً بمعروفٍ أو نهياً عن منكرٍ على الصحيح من أقوال أهل العلم، وقد شبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من تكلم أثناء خطبة الجمعة بالحمار يحمل أسفاراً، ولا شك أن فاعل ذلك آثمٌ عاصٍ، وعلى ذلك دلت النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:  «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (رواه البخاري ومسلم).
قال الإمام النووي: "معناه قلت غير الصواب، وقيل تكلمت بما لا ينبغي، ففي الحديث النهيُ عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة" شرح النووي على صحيح مسلم 6/138.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة وبه قال الجمهور في حق من سمعها، وكذا الحكمُ في حقِّ من لا يسمعها عند الأكثر، قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة" فتح الباري 2/533.
ومعنى «لغوت» أي جئت بأمرٍ باطلٍ.

وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: «دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلست قريباً من أُبي بن كعب، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (براءة)، فقلت لأُبيٍّ: متى نزلت هذه السورة؟قال: فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم قلت لأُبيٍّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ قال أُبيٌّ: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أُبيٍّ وأنت تقرأ براءة، فسألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق أُبيٌّ» (رواه ابن خزيمة في صحيحه وصححه العلامة الألباني)، ومعنى تجهمني: قطَّب جبينه وعبس ونظر إليَّ مغضباً.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسـفاراً، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة» (رواه أحمد والطبراني، وقال الحافظ: إسناده لا بأس به).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طِيبِ امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كان كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» (رواه أبو داود وابن خزيمة وحسنه العلامة الألباني).
وعن عبد الله بن عمرو أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحضر الجمعة ثلاثةُ نفرٍ، فرجلٌ حضرها يلغو فذلك حظُّه منها، ورجلٌ حضرها بدعاءٍ فهو رجلٌ دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجلٌ حضرها بإنصاتٍ وسكوتٍ ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهي كفارةٌ إلى الجمعة التي تليها وزيادةُ ثلاثة أيام، وذلك أن الله يقول:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}  [الأنعام: ١٦٠]» (رواه أبو داود وحسنه العلامة الألباني).
وذكر الشيخ ابن حزم بإسناده عن بكر بن عبد الله المزني: "أن علقمة بن عبد الله المزني كان بمكة فجاء كريُّهُ - أي الذي أجَّره الدابة - والإمام يخطب يوم الجمعة فقال له: حسبتُ القومَ قد ارتحلوا، فقال له: لا تعجل حتى تنصرف، فلما قضى صلاته قال له ابن عمر: أما صاحـبـُك فـحـمـارٌ، وأما أنت فلا جـمـعةَ لك" المحلى3/269-270. 

وهذه الأحاديثُ والآثارُ تدل على وجوب الإنصات وتحريم الكلام أثناء خطبة الجمعة.

ثانياً: استثنى العلماءُ حالاتٍ خاصةٍ يجوز الكلام فيها مع خطيب الجمعة، والردِّ عليه للحاجة والمصلحة، ويجوز للخطيب أيضاً أن يكلم المصلين، وبذلك وردت السنةُ النبوية، قال العلامة ابن القيم: "وكان صلى الله عليه وسلم يقطعُ خطبته للحاجة تعْرِضُ، أو السؤالِ مِنْ أَحَدٍ من أصحابه، فيُجيبه، ثم يعود إلى خُطبته، فيتمُّها. وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعودُ فَيُتِمُّها، كما نزل لأخذ الحسن والحسين رضي اللّه عنهما، فأخذهما، ثم رَقَى بهما المنبر، فأتمَّ خطبته، وكان يدعو الرجلَ في خطبته: تعالَ يا فلان، اجلِسْ يا فلان، صلِّ يا فُلان" زاد المعاد في هدي خير العباد1/411.
وروى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يخطب الناسَ يوم الجمعة دخل رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداه عمرُ: "أيَّةَ ساعةٍ هذه؟ فقال إني شغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعتُ النداء، فلم أزد على أن توضأت، قال عمر والوضوء أيضاً، وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرُ بالغُسُل ".

وهذه أهم حالات الكلام مع الخطيب والردِّ عليه وكلامه:
1. يجوز الكلام مع خطيب الجمعة للحاجة والمصلحة، كطلب المصلين من الإمام أن يدعُوَ لهم بالسُّقيا - طلب المطر - كما ورد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطب، فاستقبل رسولَ الله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قَزَعَةٍ ولا شيئاً، وما بيننا وبين سلْعٍ - جبل بالمدينة المنورة - من بيتٍ ولا دارٍ، قال: فطلعت من ورائه سحابةٌ مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس سبتاً - أسبوعاً - ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُّبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله يديه ثم قال: اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر، قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس»، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جوازُ مُكالمة الإمام في الخطبة للحاجة" فتح الباري 2/506.
2. يجوز لخطيب الجمعة أن يكلم المصلين لبيان أمرٍ شرعيٍ، كما ورد في الحديث عن جابر رضي الله عنه قال:«دخل رجلٌ يوم الجمعة المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: فصلِّ ركعتين» (رواه البخاري ومسلم)، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز للإمام أن يتكلم مع المصلين للمصلحة أو للحاجة.
3. ويجوز الكلام مع خطيب الجمعة لتنبيهه على أمرٍ يتعلق بأحوال المسجد، كانقطاع الصوت من مكبرات الصوت أثناء خطبة الجمعة، فهذه مصلحةٌ تجيز الكلامَ معه.
4. يجوز الكلام مع خطيب الجمعة لبيان خطأٍ في آيةٍ قرآنية وقع فيها أو الفتح على الخطيب، قال العلامة العثيمين: "ومن الحاجة أيضاً أن يُخطئ الخطيب في آيةٍ خطأً يُحيل المعنى، مثل: أن يُسقط جملةً من الآية، أو يلحن فيها لحناً يحيلُ المعنى" الشرح الممتع5/77.
5. يجوز الاعتراض على خطيب الجمعة إذا قرّر الشِّرْكَ والبدعةَ المكفرة والمنكر المتفق عليه أثناء الخطبة.

ثالثاً: يشترط لجواز الكلام مع خطيب الجمعة والردِّ والاعتراض عليه ما يلي:
1. أن لا يترتب على ذلك حدوثُ مفسدةٍ أعظم من المصلحة، أو فتنةٍ وهَرْج ومَرْج ولغط وصياحٍ وبلبلةٍ في المسجد.
2. يجب أن يكون من يردُّ على خطيب الجمعة أو يصحح له خطأً متأكداً وواثقاً تماماً مما يقول.
3. يجب أن يكون أسلوب من يردُّ على خطيب الجمعة أو يصحح له خطأً أسلوباً حسناً وبالتي هي أحسن، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
وقد سُئل علماءُ اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز، ما حكم الإسلام في خطيبٍ يتحدث أثناء الخطبة، أو كلها عن إسرائيليات، أو يذكر أحاديث ضعيفة، ينغي بذلك إعجاب الناس به؟ فأجابوا: إذا علمتَ يقيناً أن ما يذكره في الخطبة إسرائيليات لا أصلَ لها أو أحاديث ضعيفة فانصحه بأن يأتي بدلاً عنها بالأحاديث الصحيحة، والآيات القرآنية، ولا يجزم بنسبة شيءٍ إليه صلى الله عليه وسلم لا يعلم صحته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الدِّين النصيحة» (الحديث رواه مسلم في الصحيح)، على أن تكون النصيحة بالأسلوب الحسن، لا بالشدة، والعنف" فتاوى اللجنة الدائمة 8/229-230.
وورد في فتوى على موقع الشبكة الإسلامية: "الكلام مع الخطيب في أثناء الخطبة جائزٌ للحاجة والمصلحة كما ذكرنا ذلك في الفتوى رقم (69176)، ولكن إذا كان الكلام معه بإنكار شيءٍ مما وقع في خطبته يؤدي إلى حدوث فتنةٍ أكبر، أو يؤدي إلى لغطٍ وتشويشٍ، لم يشرع التعرضُ لذلك درءًا للمفسدة، والغالبُ أن القيام بهذا الفعل يؤدي إلى حصول فتنةٍ، ومن ثمَّ فإن الأولى مناصحة هذا الإمام بعد الخطبة بلينٍ ورفقٍ، وأن يُبين له بكلام أهل العلم حكم المسألة التي أخطأ فيها، وأن يُذكر له أن الرجوع للحق ليس منقصةً، بل هو دليلٌ على فضل صاحبه وتعظيمه للشرع، فإن استجاب فالحمدلله، وإلا فليقم الشخص ببيان الحق على الوجه الذي لا تحصل به مفسدةٌ أكبر متحرياً في ذلك الإخلاص لله تعالى، وبذلك يكون قد أبرأ ذمته، وفعل ما يجب عليه".
وينبغي أن يُعلم أنه مع القول بجواز الاعتراض على خطيب الجمعة والردِّ عليه، فالأولى أن يكون ذلك بعد انتهاء الصلاة، وفي خارج المسجد محافظةً على قُدسيته.

رابعاً: يجب على خطباء المساجد أن يقتدوا بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهدي سلف الأمة في خطبة الجمعة، فلا شك أن خير الحديث كتاب الله وأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من يطلع على هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام ليعجب مما يفعله كثيرٌ من خطباء اليوم في خطب الجمعة والعيدين وغيرها، فخطبة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقريراً لأصول الإيمان، من إيمانٍ بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فتُملأُ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً، كما كان عليه الصلاة والسلام يعلم الصحابة في خطبه قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم.
ولم يكن من هدي سلف الأمة أن يذكروا الحكام والأمراء في خطبهم، ويكيلوا المديح لهم، لا في حياتهم ولا بعد مماتهم. 

قال الدكتور سعود الشريم إمام وخطيب المسجد الحرام في معرض حديثه عن النعي والرثاء على منبر الجمعة: "ولا شك أن هذه المسألة من الأمور المنتشرة في هذا الوقت، والذي أراه هو المنع من المبالغة في ذلك، أو اتفاق الخطباء في الخطبة عن أحد الموتى في وقتٍ واحدٍ، أو أوقاتٍ متقاربةٍ خشية الوقوع في الغلو، لاسيما وأن الخطبة عبادةٌ محضةٌ، منع بعضُ أهل العلم فيها من الدعاء لمعينٍ كسلطانٍ ونحوه. وما ذاك إلا لما يرون من أن الخطبة ليست محلاً للحديث عن أشخاصٍ بأعيانهم، إذ لم تكن عادةُ السلف على هذا، مع ما يكون من وفياتٍ لعظماء الإسلام من خلفاء وأئمة علماء" الشامل في فقه الخطيبِ والخُطبَةِ ص183-184.

خامساً: لا شك أن ما حصل في المسجد الأقصى المبارك أثناء خطبة جمعةٍ ماضيةٍ لا يدخل تحت ما ذكرته؛ لأنه مفسدةٌ أعظم من المصلحة، بل هي فتنةٌ وهَرْجٌ ومَرْجٌ ولغطٌ مع ما رافقه من صياحٍ وفوضى وتشويشٍ كبيرٍ، وهو أمرٌ مؤسف يُنبئُ عن سوء أخلاق وأحوال بعض رواد المسجد الأقصى المبارك، الذين لا يعرفون له حُرمةً ولا قداسةً، ولو عرفوهما ما فعلوا ما فعلوه! وقد كان بإمكان هؤلاء أن يعترضوا على خطيب الجمعة وينصحوه ويبينوا رأيهم فيما قاله بأدبٍ واحترامٍ لبيت الله المعظم، وحفاظاً على قُدْسية المسجد الأقصى المبارك.

وخلاصة الأمر أن الأصل المقرر عند جماهير فقهاء الإسلام هو منعُ الكلام أثناء خطبة الجمعة ووجوبُ الإنصات لها، وأن العلماء قد استثنوا حالاتٍ خاصةٍ يجوز الكلام فيها مع خطيب الجمعة، والردِّ عليه للحاجة والمصلحة، ويجوز للخطيب أيضاً أن يُكلم المصلين، وقد وردت السنةُ النبوية بذلك، وأن ضابط جواز الكلام مع خطيب الجمعة والردِّ والاعتراض عليه هو عدمُ حدوث مفسدةٍ أكبر من المصلحة، وعدم حدوث فتنةٍ وهَرْجٍ ومَرْجٍ ولغطٍ وصياحٍ وبلبلةٍ في المسجد، وأنه يجب على خطباء المساجد أن يقتدوا بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهدي سلف الأمة في خطبة الجمعة.

والله الهادي إلى سواء السبيل.