السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال قال "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين". رواه البخاري  ومسلم. فهل يعني ذلك ان العلم غير واجب على المسلمين وان الواجب ان نكون اميين لا نقرا ولا نحسب وان كان الامر كذلك فلماذا قال الرسول اطلبوا العلم ولو في الصين وافرج عن اسرى الكفار مقبل تعليم المسلمين ارجوا افادتنا بما علمكم الله

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد شاء الله وقدّر أن يكون خاتم النبين من أمة أمية، وذلك لكونهم أسلم فطرة وأنقى سريرة، فلم تتلوث عقولهم بالموروثات القديمة ولا بالفلسفات الأرضية والكتب المحرفة، والتي تبلد الفكر وتورث التعصب، ومن ثم سهل عليهم تقبل الحق وحمل الدعوة ونشرها للعالم، فكانوا بمثابة الأرض الخصبة تقبل الماء وتنبت الكلأ، وهذا الوصف أعني الأمية كان في الأعم الغالب منهم، فقد كان فيهم الكتاب والقراء والأدباء والشعراء.

ورسول صلى الله عليه وسلم كان قبل نزول القرآن عليه أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وكانت هذه أمارته عند أهل الكتاب، ويعرفونه في كتبهم بذلك، والحكمة من أميته بينها كتاب الله وهى منع اتهام الكافرين له بأن القرآن أخذه عن غيره من الناس، أو نقله من الكتب السابقة؛ كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ* بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت: 48، 49].

الحديث المشار إليه ورد في سياق الاعتماد في الصوم والإفطار على الرؤية البصرية وأنها لا تحتاج لعلم الحساب، ولم يأت لحث الأمة الإسلامية على ترك تعلم القراءة والحساب، وسائر العلوم النافعة والتي أجمع العلماء على أن تعلمها من فروض الكفايات، وأن الأمة لو تركت تعلمها لأثمت جميعا.

والإسلام دين العلم، وأوجب الله على كل مسلم أن يتعلم ما افترضه الله عليه، ويتعلم العلوم الدنيوية كالطب والهندسة والزراعة والصناعة.

فالأمية كانت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعث فيهم وصف كمال لما سبق بيانه، بخلاف الأمية فيمن بعدهم؛ لأن النصوص الكثيرة حثت على التعلم والتعليم، والقراءة من أقوى المفاتيح لذلك؛ ولذلك كانت أول سورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم فيها الأمر بالقراءة وذكر تعليم الرب للإنسان بِالْقَلَمِ؛ لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان، وذلك في أول لحظة من لحظات الرسالة، وفي أول سورة من سور القرآن الكريم، هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتبا بالقلم، وهذا إبراز لفضل التعليم، وأن الإنسان يتعلم ما يتعلم، ويعلم ما يعلم من الله الذي خلق وعلم.

قال الله تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ سَلَكَ طريقًا يطْلُبُ فيه عِلمًا سَلَكَ اللهُ به طريقًا من طرُقِ الجنَّة، وإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطالب العِلْمِ رِضًا بما يَصْنَعُ، وإن العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ له مَن في السموات وَمَنْ في الأرض، والحِيتانُ في جَوْفِ الماء، وإنَّ فَضْلَ العالِم على العابد كفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ على سائر الكواكب، وإنَّ العُلَماءَ وَرَثَةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا إنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍ وافِر))؛ رواه أحمد وابن حبان عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وصحَّحَهُ الألباني

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في" مجموع الفتاوى (17/ 436):

" قوله: "إنا أمة أمية"، فلم يقل إنا لا نقرأ كتابا ولا نحفظ بل قال: لا نكتب ولا نحسب فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب ودينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم".

وقال: مجموع الفتاوى (25/ 166)

ليس هو طلبا فإنهم أميون قبل الشريعة كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، وقال: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20]، فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها، نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها فإنا سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقا.

لأن الأمة التي بعثه الله إليها فيهم من يقرأ ويكتب كثيرا كما كان في أصحابه وفيهم من يحسب وقد بعث صلى الله عليه وسلم بالفرائض التي فيها من الحساب ما فيها وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم عامله على الصدقة ابن اللتبية حاسبه، وكان له كتاب عدة - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية - يكتبون الوحي ويكتبون العهود ويكتبون كتبه إلى الناس إلى من بعثه الله، ويكتبون كتبه إلى الناس إلى من بعثه الله إليه من ملوك الأرض ورؤوس الطوائف وإلى عماله وولاته وسعاته وغير ذلك، وقد قال الله تعالى في كتابه {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } [يونس: 5]، في آيتين من كتابه فأخبر أنه فعل ذلك ليعلم الحساب".

إلى أن قال (25/ 167): "فلما قرن ذلك بقوله الشهر ثلاثون والشهر تسعة وعشرون بين أن المراد به: إنا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو تارة كذلك، وتارة كذلك، والفارق بينهما هو الرؤية فقط ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب، وظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال.

ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط". اهـ. مختصرًا

هذا؛ والله أعلم.