السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله ان احد اصحابي يقول ان الرسثل لم يكن يقرا ولا يكتب (أمي) ويستشهد بان الله قال ذلك في القران فهل كان الرسول يكتب ويقرا او لم يعلمه جبريل القرائة عندما قال له اقرا بسم ربك الذي خلق

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فقد دلّ الكتاب والسنة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب ولا يقرأ قبل الرسالة وبعدها، وهي معجزة وكمال في حقه؛ كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة:1]، فمع كونه أميًا قد جاء بأعظم مما جاء به جميع رسل الله غَيْرُ الأميين، ولو كان يكتب ويقرأ لشكك المغرضون والجاحدون في أمره، ولوجد المكذبون له من مشركي قريش وغيرهم ومن اليهود ما يطعنون به؛ {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]، وأي فائدة للقراءة والكتابة لمن يعلمه ربه.

جاء في التحرير والتنوير (28/ 209)

ووصف الرسول بأنه منهم، أي من الأميين شامل لمماثلته لهم في الأمية وفي القومية. وهذا من إيجاز القرآن البديع.

وفي وصف الرسول الأمي بأنه يتلو على الأميين آيات الله، أي وحيه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب، أي يلقنهم إياه كما كانت الرسل تلقن الأمم الكتاب بالكتابة، ويعلمهم الحكمة التي علمتها الرسل السابقون أممهم في كل هذه الأوصاف تحد بمعجزة الأمية في هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، أي هو مع كونه أميا قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرسل غير الأميين أممهم ولم ينقص عنهم شيئا، فتمحضت الأمية للكون معجزة حصل من صاحبها أفضل مما حصل من الرسل الكاتبين مثل موسى.

وفي وصف الأمي بالتلاوة وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس ضرب من محسن الطباق لأن المتعارف أن هذه مضادة للأمية". اهـ.

وقال أيضًا (21/ 10) عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]:"هذا استدلال بصفة الأمية المعروف بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ودلالتها على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة، وقد ورد الاستدلال بها في القرآن في مواضع كقوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } [الشورى: 52] وقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]

ومعنى: ما كنت تتلوا من قبله من كتاب أنك لم تكن تقرأ كتابا حتى يقول أحد: هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل.

ولا تخطه أي لا تكتب كتابا ولو كنت لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلم، وهما التعلم بالقراءة والتعلم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف الأمية فإن الذي يحفظ كتابا ولا يعرف يكتب لا يعد أميا كالعلماء العمي، والذي يستطيع أن يكتب ما يلقى إليه ولا يحفظ علما لا يعد أميا مثل النساخ فبانتفاء التلاوة والخط تحقق وصف الأمية". اهـ.

وجاء في "التفسير الكبير" للرازي (30/ 538): "وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضًا أميًا مثل الأمة التي بعث فيهم، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقة". اهـ.

وقال صاحب الظلال (5/2746): "وهكذا يتتبع القرآن الكريم مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها، فرسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- عاش بينهم فترة طويلة من حياته، لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب الذي يُعجز القارئين الكاتبين، ولربما كانت تكون لهم شبهة لو أنه كان من قبل قارئًا كاتبًا، فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم؟

فحتى على فرض أن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- كان قارئًا كاتبًا، ما جاز لهم أن يرتابوا، فهذا القرآن يشهد بذاته على أنه ليس من صنع البشر.

فهو أكبر جدًا من طاقة البشر ومعرفة البشر، وآفاق البشر، والحق الذي فيه ذو طبيعة مطلقة كالحق الذي في هذا الكون، وكل وقفة أمام نصوصه توحي للقلب بأن وراءه قوة، وبأن في عباراته سلطانًا، لا يصدران عن بشر!". اهـ.

والحاصل أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان أميًّا، لا يحمل أيَّ مؤثرات ثقافيَّة أو خلفيات دينيَّة أرضية؛ وذلك لحكمة جليلة، فرسول صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لم يقرأ كتابًا، ولم يكتب سطرًا، ولم يقل شعرًا، الناشئ في أمَّة أمِّية قد أتى بأعظم دعوة، وأعدل شريعة، أخرجت الخلق من رقِّ العبودية لغير الله - جلَّ جلاله، وتكفل والله للمسلمين بالسَّعادة الأبدية،، والله أعلم.