السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سؤال بسيط جداً طرحته صحفية أجنبية على احدى القنوات و كان التالي : " لماذا يحتاج الله الى التأكيد على عظمته وعلوه على الرغم من أنه عظيم .. ولماذا يحب الله من عباده بأن تعظمه و تسبح بحمده . فاذا سبح العبد بحمد ربه طيلة النهار فهذا لم يزيد شيئ من عظمة الخالق " . استوقفني هذا السؤال ولم اعرف حقيقةً جواب منطقي على هذا السؤال باستثناء مايخطر في بال كل مسلم وهو بأن الله يباهي فعباده المستغفرين .. الحامدين .. الساجدين. ولكن لماذا ؟؟ أرجو التوضيح جزاكم الله خير

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومن والاه، أمَّا بعدُ:

فعقدة كل مؤمن أن الله تعالى هو الغنى الصمد الكامل في أسمائه وصفاته، الذى حاجة كل أحدٍ إليه، ولا حاجة به إلى أحد، وقيام كل شيء به، وليس قيامه بغيره، فمهما أحسن العباد أحسنوا لأنفسهم، وهو سبحانه مع غناه عن العالمين خلقهم وأرسل إليهم رسولا يبين لهم ما يسعدهم وما يشقيهم، وجميع ما ينالون به الخيرات من قواهم بفضله، أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين، مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضرر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، ويحب من يسأله ويدعوه.

أما حبه سبحانه لمن يُثني عليه ويحمده ويمدحه، كما في الصحيحين عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه"، وقال الأسود بن سريع لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني حمدت ربي بمحامد فقال: "إن ربك يحب الحمد"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا احصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، فأفضل خلقه لا يحصى ثناء عليه، فهو المثني على نفسه، وكذلك يحب حمد العباد له، وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له، وتعظيمه لنفسه؛ فهو سبحانه أعلم بنفسه من كل أحد، والموصوف سبحانه بصفات الكمال التي لا تبلغها عقول الخلائق، فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه؛ وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]، قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ثم يهزهن، ثم يقول: "أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئًا، أنا الذي أعيدها"، وفي رواية: "يمجد الرب نفسه سبحانه"، فهو يحمد نفسه ويثني عليها ويمجد نفسه سبحانه وتعالى.

ولا ينفعه سبحانه من حمد عباده وثنائهم شيء؛ لأنه الغني بنفسه ولا يحتاج إلى أحد غيره،  فجميع الخلق لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، بل كل ما سواه فقير إليه: { يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]، وقال: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء: 131]، وقوله تعالى {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] وقوله تعالى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، وقوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]، وقوله تعالى: { وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]، وقوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].

فإذا أحب مدح عباده وثنائهم، وتقربهم إليه بالنوافل، ورضي عن السابقين الأولين ونحو ذلك: فلحبه لنفع عباده المؤمنين؛ لأن جزاء ذلك للعباد، ولا يجوز أن يقال: هو مفتقر في ذلك إلى غيره، ولا مستكمل بسواه؛ فإنه هو الذي خلقهم وخلق أفعالهم؛ كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وهو الذي هداهم وأعانهم حتى فعلوا ما يحبه ويرضاه ويفرح به، وهو المان بالعمل؛ كما قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17]، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].

فثناء العبد على الله لم يحصل إلا بعلمه وقدرته ومشيئته وخلقه سبحانه، فله الملك لا شريك له، وله الحمد في الأولى والآخرة؛ وهذا من معاني اسمه الأول؛ كما في الصحيح: " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء".

فلله نهاية الكمال والعزة، ولم يفتقر إلى غيره، ولم يخرج شيء عن مشيئته، والعباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًا، وهو سبحانه وتعالى غني حميد في نفسه، لا حاجة له بطاعات العباد وثنائهم ومدحهم، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها؛ كما في صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني".

"فليس هو فيما يحسن به إليهم من إجابة الدعوات، وغفران الزلات، بالمستعيض بذلك منهم جلب منفعة، أو دفع مضرة، كما هي عادة المخلوق الذي يعطي غيره نفعًا ليكافئه عليه بنفع، أو يدفع عنه ضررًا ليتقي بذلك ضرره فقال: "إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني"، فلست إذا أخصكم بهداية المستهدي، وكفاية المستكفي، المستطعم والمستكسي، بالذي أطلب أن تنفعوني، ولا أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار أتقي بذلك أن تضروني؛ فإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك، بل ما يقدرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره، فكيف بما لا يقدرون عليه؟ فكيف بالغني الصمد الذي يمتنع عليه أن يستحق من غيره نفعًا أو ضرًا؟

فإن المخلوقين يبلغ بعضهم نفع بعض، ومضرة بعض، وكانوا في أمرهم ونهيهم قد يكونون كذلك، والخالق سبحانه مقدس عن ذلك، فبين تنزيهه عن لحوق نفعهم وضرهم في إحسانه إليهم، بما يكون من أفعاله بهم وأوامره لهم، قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم.

وذكر أن برهم وفجورهم، وطاعتهم ومعصيتهم، لا تزيد ملكه ولا تنقص، وأن ما يعطيهم غاية ما يسألونه نسبته إلي ما عنده أدنى نسبة؛ فقال: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وجنكم وإنسكم، على أفجر قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم، وجنكم وإنسكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا"، إذ ملكه قدرته علي التصرف فلا تزيد ولا تنقص، كما تزداد قدرة الملِك بكثرة المطعين له، وتنقص بقلة المطيعين، وملكه سبحانه متعلق بنفسه، وهو خالق كل شيء وربه، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء"، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (18/192- 193)

هذا؛ والذي يظهر أن مروج تلك الشبهة يقيس الخالق القوي المتين سبحانه وتعالى على المخلوق الضعيف، ولا يخفى على من له أدنى بصيرة الفروق بين الرب تعالى، وسائر العبيد!

والرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويحب المدح والثناء الحسن، ويرضى ويفرح بتوبة التائبين فهو الذي يخلق ذلك، وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، هو المنعم على عباده بالإيمان، وأمر به العباد لصلاحهم، ونعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمته أيضًا.

والعباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه.

والمسلم متى علم ذلك، وقدر الله حق قدره، امتنع عن معصية الله، وإن عصى سارع بالتوبة، ولم يدن لغير الله بالعظمة، وحافظ على طاعته، ومن ثمّ ينتفع العبد بثنائه على الله سبحانه وتعالى، ولولا ما أمرنا به من المدح والثناء الحسن لما أدركنا ما يليق بعظمته وجلاله من الأسماء الحسنى والصفاته العلى، والتي هي أساس مدحه والثناء عليه.

وكذلك فإن مدح الله سبحانه ينفي عن العبد صفة الكبر؛ لأن من لم يحمد الله يبتلى بالكبر، ولا يحقق منزلة الفقر التي هي أنفع أعمال القلوب للعبد.

قال ابن القيم في "طريق الهجرتين"(ص: 9):

" الفقر فقران: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبرّ ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحاً ولا ذماً ولا ثواباً ولا عقاباً ، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقاً ومصنوعاً.

والفقر الثاني فقر اختياري، هو نتيجة علمين شريفين:

أَحدهما: معرفة العبد بربه، والثاني: معرفته بنفسه.

فمتى حصلت له هاتان المعرفتان، أَنتجتا له فقراً هو عين غناه، وعنوان فلاحه وسعادته.

فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة، عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام، عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التامّ والحكمة، عرف نفسه بالجهل". اهـ.

وأما حب الله للمدح فليس من جنس من حب المخلوقين للمدح، وإنما أحب سبحانه وتعالى الطاعات، ومن جملتها مدحه والثناء عليه، ليثيب على ذلك فينتفع المكلف لا لينتفع الرب بالمدح، بخلاف الإنسان فإنه يحب المدح ليرتفع قدره.

هول يجوز أن يقال: لماذا أمر الله عباده بالصلاة والصيام والحج والذكر وتلاوة القرآن، وغيرها من العبادات وهو الغني سبحانه! فكما أنه لا يزيد في ملكه عظمته المدح فكذلك لا تنفعه طاعاتهم!

هذا؛ وننبه الأخ السائل إلى البعد عن مظان تلك الشبهات المتهافتة، حتى يتعلم العقيدة الصحيحة في الله، ويتعلم ما يدفع به فتن الشبهات عن نفسه، وليحرص على ما ينفعه.

ولتعلم أن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لحكمة، ولا يأمر بأمر إلا لحكمة، ولا يسأل عما يفعل سبحانه؛ لكمال حكمته، فله نهاية الحب مع نهاية الذل،، والله أعلم