السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، قال تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ) كيف يستقيم ( إن الذين آمنوا ) مع قوله ( من آمن بالله ) ؟ قرأت فرأيت أنه على التحقيق ، فماذا يقصد به ؟ وجزاكم الله خيرا

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن أمر الله تعالى المؤمنين بالإيمان في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، ليس المطلوب منه إلا أمرًا متجددًا! وهو إما الاستدامة على الإيمان، وإما تكميل الإيمان به؛ لأن الإيمان كما هو معلوم يزيد بالطاعات وينقص بضدها، فيستقيم في لغة العرب أن يوجه الأمر بالإتيان بالفعل لمن هو متلبس في الشيء وداخل فيه! ويكون المطلوب منه إلا أمرا جديدًا وليس ما هو عليه، فأمر المؤمن بالإيمان يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات، ودوام التوبة مما ينقص الإيمان، والاستمرار على الإيمان والثبات عليه حتى الممات، كما يقتضي الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فكلما علم أكثر ازداد إيمانًا، فالعلم من الإيمان وسائر الأعمال الظاهرة والباطنة شعب من الإيمان كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وإجماع السلف.

ومن تأمل كتاب الله لم يتردد في فهم هذه المسألة، فآية البقرة نظير قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود: 112]، ومعلوم بالبداهة العقلية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مستقيمًا على صراط الله المستقيم قبل نزول الآية الكريم، إذن فليس المعنى الأمر بما هو عليه من الاستقامة، وإنما هو أمر وراء ذلك، وهو الثبات على الاستقامة والازدياد منها،  ونحو ذلك ومن المعاني المشار إليها سابقا.

ونظيرها أيضًا قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الصف: 10، 11]

قال الإمام الطبري في تفسيره (2/ 148-149) عند آية سورة البقرة:

"فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟

قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين، كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان = وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به، حتى أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به، إذ أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم: آمنوا بمحمد وبما جاء به = ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله.

وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمد، وبما جاء به واليوم الآخر، ويعمل صالحًا، فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.