كنت قد أرسلت لكم سؤالا، أسألكم فيه: هل من الممكن أن يكلم الله عبدا، بمعنى أنه يرسل له رسائل مكتوبة، يخبره فيها أنه من أهل النار، وأنه ختم على قلبه، وأن أخاه أيضا من أهل النار، وأن أمه، وأستاذه من أهل الجنة. وأخبرتموني أن هذا غيب، وأن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا الرسل، سواء كان رسولا ملكيا، أو رسولا بشريا. وأنا الآن أعيد عليكم نفس ، ولكن هذه المرأة أسألكم: هل من الممكن أن يكون الذي كان يحدثني ملك من ملائكة الله عز وجل، أرسله الله لي ليخبرني بالأمور التي ذكرتها، من كوني أنا وأخي من أهل النار، وكون أمي وأستاذي من أهل الجنة، وكون الله قد يطلع أحد ملائكته على الغيبيات، أمر ليس بغريب، والملك أطلعني على ما أطلعه الله عليه من الغيب؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فما ذكرناه لك في الفتوى السابقة، من أن ذلك من الغيب الذي لا يعلم إلا عن طريق الوحي، نكرره هنا، ونؤكد عليه، وأن من شهد الله له ورسوله بأنه من أهل الجنة، أو من أهل النار، نشهد له، ومن لم يشهد الله له ورسوله بذلك، لا نشهد له، ومن ادعى علم ذلك، فقد ادعى علم الغيب، ولو بحجة أن من حدثه بذلك ملك من ملائكة الله عز وجل، وما يدريه أنه ملك أرسله الله، ولو فتح هذا الباب لانفتح شر كبير، وأصبح كل أحد له أن يدعي حكما ما، وينسبه إلى الله عن طريق إرسال ملك من الملائكة.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: وَلَا نُنْزِلُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَنَّةً، وَلَا نَارًا. اهـ. 

قال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- في شرحه للعقيدة الطحاوية: يريد العلامة الطحاوي -رحمه الله- أنّ أهل السنة والجماعة يتَّبِعُونَ في الأمور الغيبية ما دلَّ عليه الدليل من كتاب الله -عز وجل- ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يَقْفُون ما ليس لهم به علم، ولا يقولون على الله -عز وجل- ما لا يعلمون؛ امتثالاً لقوله سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] ، وامتثالاً لقوله -عز وجل-: {وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33]، فَحَرَّمَ الله -عز وجل- القول عليه بلا علم، ومن القول عليه بلا علم، أن يُشهَدَ في أمرٍ غيبي أنَّ الله -عز وجل- لا يغفر لفلان، أو أنَّ فلاناً من أهل الجنة؛ يعني قد غُفِرَ له، أو أنه من أهل النار المُعَيَّن؛ لأنه لم يشأ الله أن يغفر له. فأصل هذه المسألة، وهي ما قَرَّرَهُ من أننا لا نُنَزِّلُ أَحَداً من أهل القبلة جنةً ولا ناراً، هذه لأجل أنَّ هذا الأمر غيبي، والله -عز وجل- حكمُهُ في أهل القبلة قد يُعذِّبْ، وقد يغفر؛ يغفرُ لمن يشاء، ويعذبُ من يشاء، فمن نزَّلَ جنةً أو ناراً أحداً من أهل القبلة، ممن لم يدل الدليل على أنه من أهل الجنة، أو من أهل النار، فقد قال على الله بلا علم، وتجرأ على الرب جل جلاله. فالواجب اتِّبَاعْ النص وتقديس الرب -عز وجل- وتعظيم صفات الرب جل جلاله، وأن لا يُشْهَدَ على مُعين من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة جزماً، أو من أهل النار جزماً إلا من أخبر الوحي بأنه في هذا الفريق، أو في هذا الفريق. انتهى.
فكل هذه الظنون من كونك أنت وأخوك من أهل النار، إنما هي وساوس شيطانية، أوقعك فيها اللعين؛ ليقنطك من رحمة الله، وليصرفك عن التوبة والعمل الصالح، ويفسد عليك دينك ودنياك، فالحذر الحذر من هذه الوساوس بالإعراض عنها، والاستعانة بربك وخالقك، الرحيم الرؤوف، والبر اللطيف، أن ينقذك مما أنت فيه بصرف هذه الوساوس عنك.

ونذكرك بما ختمنا به جوابنا السابق لك بأن تجتهد في طاعة الله، وتسأل الله أن تكون من أهل الجنة، وألا تنشغل بمثل هذه الأمور.
وللفائدة يرجى مراجعة هذه الفتاوى: 57184، 62340، 324406.
 والله أعلم.