السؤال:

تتباين مناهج الدعاة في التغيير فيميل بعضهم اجتهادًا إلى مسلك دخول المجالس النيابية.. ترى: هل هذا مما يسع فيه النظر والاجتهاد، لأجل تباين الظروف، وتعقد بعض الأوضاع؟ وإذا كان الأمر سائغًا فهل في هذا السبيل غنية عن تربية الناس على دين الله تعالى؟ 

الإجابة:

صحيح أن هذا مما يختلف بالاختلاف للأشخاص، والأماكن، والأوضاع، فمتى رأى الدعاة هذا المسلك مفيدًا فعلوه، حيث أن الداعية متى غشي الجماهير، واعترفوا بمكانته وفضله، وارتفع منصبه، واشتهر بين العامة بعلمه ورتبته، كان ذلك أدعى لقبول قوله، والتأثر بنصحه، وتلقي مواعظه وإرشاداته، وتقبل فتاواه وأجوبته، حيث تعترف به الدولة، وتوليد منصبًا مرموقًا، وترجع إليه عند الاختلاف، ثم يقوم بالخطابة، والدعوة إلى سبيل الله تعالى، والقضاء بالعدل، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فهو بما لديه من علم وعمل ومعرفة بالله تعالى، وبوعده ووعيده، وأمره ونهيه، يقول الحق ويصدع به، ولا يخاف في الله لومة لائم، فيأمر بردع الظالم، وقمع العاصي، والمجرم، وقتل القاتل متى تمت الشروط، ورجم الزاني المحصن، وقطع يد السارق، وهكذا يقضي بأمره على معامل الخمور والمكسرات وعلى مروجي المخدرات، وعلى حوانيت الدعارة والبغاء، وأماكن الفساد، ولكن هذا إنما يتصور من عالم رباني، معترف بمكانته، فهو يتصل بالرؤساء والوزراء، والأمراء والولاة ونوابهم، وتنفد أوامره، وتجاب طلباته التي توافق الحق، وتهدف إلى مصلحة العباد والبلاد.

فأما من كان ضعيف المعلومات، أو قليل المعرفة أو معه شيء من الانحراف أو عنده ميل إلى بعض البدع والمحدثات، أو كان مزجي البضاعة في العلم، فأرى عدم دخوله في تلك المجالس، لعدم تمكنه من قول الحق والصدع به، وخوفًا من إقراره المنكرات، أو دعوته إلى شيء من البدع والشركيات، كما حصل ذلك من بعض علماء الضلال الذين خدعوا ولاة الأمر، وصوغوا لهم البناء على القبور، وعمارة المشاهد والمعابد الشركية، وحفلات المواليد، وإقرار البدع الاعتقادية والعملية، فاحتج العامة بأقوالهم الخاطئة، وأصبحت فتاواهم ومؤلفاتهم حجة لكل جاهل ومبتدع؛ وهكذا نقول أيضًا قد يفضل للعالم والداعية الاعتزال، والبعد عن ولاة السوء، وأئمة الضلال، الذين يحتقرون العالم، ويخالفون ما يقول، ويبقى بينهم ذليلا مهينًا، مع تظاهرهم بتحكيم القوانين، وإعلان البدع، وإباحة الخمور، وتعاطي المسكرات، وإعلان تعطيل الحدود، وفتح بيوت الدعارة والفواحش، ورفع أماكن علماء الضلال، وقمع الدعاة إلى الله، فمن السلامة في مثل تلك الدول أن يبتعد الداعية إلى الله عنهم، وأن يعتزل ولاياتهم، وأن يفضل العيش في البادية والقرى النائية.

فقد ورد في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» ومع ذلك فإن كل مسلم عليه مسئولية كبرى، بحسب ما عنده من القدرة والعلم، ففي الأثر: كلكم على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله فعلى هذا يقول بما في إمكانه من الدعوة إلى الله تعالى، وتربية الناس على دين الله تعالى، وليس هناك غنية عن هذه التربية بحسب الإمكان، والله أعلم.