السؤال:

من قواعد منهج أهل السنة (رحمة الخلق، في دعوتهم إلى الحق) وقد سبب غياب هذه القاعدة عن أذهان بعض المصلحين والشباب أن استحالت قضيتهم مع أهل البدعة والضلال إلى معارضات جدلية، لا معنى لها، مما أضعف استجابة بعض المخالفين، ليتكم تشيرون إلى بعض الأمثلة لتطبيق هذه القاعدة عند سلف الأمة من المتقدمين والمتأخرين؟

الإجابة:

قال الله تعالى:  {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فرفق بالناس عند الدعوة إلى الإسلام، وأحسن معهم المقال، فكان بمكة يتتبع الوفود والحجاج، ويعرض عليهم دعوته، وما جاء به، ويبين لهم حقيقة التوحيد، دون أن يضللهم، أو يسفه أحلامهم، أو يتنقص عقولهم، حتى قال الله تعالى:  {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} مع أن آلهتهم أموات غير أحياء لا تسمع، ولا تغني عنهم شيئًا ولكن في سبها قدح في عقولهم وأعمالهم، وقد حكى الله تعالى حالته معهم بقوله:  {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وهكذا كان يوصي أصحابه عند دعوة الناس إلى الإسلام، فقد قال لمعاذ:  «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله».

وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله» وقال لعلي رضي الله عنه:  «ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليه من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم» وفي حديث بريدة في الوصية لأمير الجيش، أمره أن يبدأ بالدعوة إلى الإسلام، ثم إلى بذل الجزية، وهو دليل على ما جبل الله تعالى نبيه عليه من الرحمة بالخلق، وحبه لدخولهم في الإسلام بالطرق السلمية، حيث لم يُكره أحدًا على الدخول في الدين، وإنما دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهكذا فعل أصحابه والمؤمنون من أمته، قديمًا وحديثًا، فقد ظهر من حسن معاملتهم مع المعاهدين والذميين، ما حمل الكثير على اعتناق الإسلام، فكانوا يوفون بالعهود، ويؤمنون المستأمن حتى يسمع كلام الله، وقد ذكر العلماء في أحكام أهل الذمة تحريم الظلم والعدوان، والإضرار بالذميين ووجوب الرفق بهم في الدعوة إلى الله، وحسن معاملتهم التي تجلب لهم الدخول في الإسلام، وضرب المسلمون أروع الأمثال قديمًا وحديثًا في الرحمة بالخلق، ولين الجانب، واللطف في القول، واجتناب الإغلاظ والفظاظة، والقصص عنهم في ذلك كثيرة مشهورة في كتب التاريخ والتراجم، فمن طلبها وجدها.