السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : توضيح بسيط انا انسان عصبي جدا لا استطيع أن اتحكم في اعصابي أو في ما اقول . حدث خلاف بيني وبين زوجتي تعصبت عليها وضربتها وحدث شد في الكلام بيننا وليس لها من ذنب في ذلك ثم بعد ذلك بدأت في البكاء وقالي لي سوف اكلم والدتك وأخبرها ماذا يفعل ابنك بي فقلت لها لا فقالت لا استطيع تحمل كل تلك الإهانات والضرب فقالت لها ماذا تريدين فبدأت بالبكاء فخرجت مني كلمه انتي طالق دون قصد ثم بعد أن هداءت عتابت نفسي كيف اقول ذلك وبكيت من فعلي هذا فهل يقع الطلاق

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن كنت تقصد بقولك إن كلمة الطلاق خرجت منك دون قصد، أن الغضب قد بلغ منك إلى حد لا تعلم ما تقول – كالمجنون -  فإن الطلاق لا يقع.

 وكذلك لا يقع إن كنت في حالة لا تستطيع أن تضبط أقوالك وأفعالك؛ فقد روى أبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا طلاق ولا عِتَاق فِي إِغْلاق"، والإغلاق معناه انغلاق الذهن عن النظر والتفكير؛ بسبب الغضب أو غيره.

هذا؛ وقد اشترط العلماء لصحة الطلاق شروطًا في المطلق: أن يكون بالغًا، عاقلًا، مختارًا قاصدًا اللفظ المُوجِب للطلاق من غير إجبار، فلا يقع طلاق ذاهب العقل، ولا المُكرَه، ولا الغضبان غضبًا يُغلق العقل.

أما إن كان الغضب لم يغير عقلك، وكنت تعلم ما تقول وتقصد الألفظ، فإن الطلاق يقع.

هذا؛ وننبه الأخ السائل إلى أنه لا يجوز له أن يضرب زوجته؛ من تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم علم صدق ذلك، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً قط، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل".

وروى أبو داود عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تضربوا إماء الله"، فجاء عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم".

وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب ما يكره من ضرب النساء، وقول الله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ) أي ضرباً غير مبرح، ثم ساق بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم".

 وقال الحافظ ابن حجر في الفتح الباري (11/214): "فيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقاً، بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم... إن كان لا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير".

وروى أبو داود، عن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت".

جاء في "ظلال القرآن": " وَاضْرِبُوهُنَّ.. واستصحاب المعاني السابقة كلها، واستصحاب الهدف من هذه الإجراءات كلها- يمنع أن يكون هذا الضرب تعذيباً للانتقام والتشفي، ويمنع أن يكون إهانة للإذلال والتحقير، ويمنع أن يكون أيضاً للقسر والإرغام على معيشة لا ترضاها، ويحدد أن يكون ضرب تأديب، مصحوب بعاطفة المؤدب المربي كما يزاوله الأب مع أبنائه، وكما يزاوله المربي مع تلميذه.

ومعروف- بالضرورة - أن هذه الإجراءات كلها لا موضع لها في حالة الوفاق بين الشريكين في المؤسسة الخطيرة، وإنما هي لمواجهة خطر الفساد والتصدع، فهي لا تكون إلا وهناك انحراف ما هو الذي تعالجه هذه الإجراءات.

وحين لا تجدي الموعظة، ولا يجدي الهجر في المضاجع، لا بد أن يكون هذا الانحراف من نوع آخر، ومن مستوى آخر، لا تجدي فيه الوسائل الأخرى، وقد تجدي فيه هذه الوسيلة!

 وشواهد الواقع، والملاحظات النفسية، على بعض أنواع الانحراف، تقول: إن هذه الوسيلة تكون أنسب الوسائل لإشباع انحراف نفسي معين، واصلاح سلوك صاحبه، وإرضائه في الوقت ذاته!

فربما كان من النساء من لا تحس قوة الرجل الذي تحب نفسها أن تجعله قيماً وترضى به زوجاً، إلا حين يقهرها عضلياً! وليست هذه طبيعة كل امرأة، ولكن هذا الصنف من النساء موجود، وهو الذي قد يحتاج إلى هذه المرحلة الأخيرة؛ ليستقيم، ويبقي على المؤسسة الخطيرة في سلم وطمأنينة!

هذا؛ والله أعلم.