السؤال:

أرسلت سؤالي قبل عدة ساعات بدون بعض التفاصيل فأرجو الإجابة عن هذا بدلا منه... أنا طبيبة نساء وولادة جاءتني امرأة حامل في الشهر الخامس وطفلها مشوه تشوهات متعددة وتريد إجهاضه بموافقة زوجها وكان معهم جد الجنين (ابو الأب ) والجدة ( أم الأم) وعمة الجنين وكانت الجدة الأخرى (أم الأب) متواصلة معهم بالتليفون...ولأنني لم أكن للأسف الشديد أعلم الحكم الشرعي بعد نفخ الروح وكنت أظن أن تشوه الطفل مسوغ للإجهاض فأعطيت الأم أقراصا وحقنا تم على أثرها نزول الطفل بعد يومين..وبعدها بفترة عرفت الكارثة أن هذا قتل..وأنا لو كانت عندي ذرة علم بهذا ما كنت أبدا لأقدم على هذه الجريمة وأنا أقوم بحفظ القرآن وأستمع للعلماء وأبعد عن الحرام ما استطعت بحمد الله لكن لم يكن عندي علم في هذا الأمر .. والآن أريد أن أعرف بالنسبة للدية والكفارة بالتفصيل هل يجب علي الدية والكفارة؟...ولمن تدفع الدية بالضبط والأب والأم مشاركان وموافقان وكذلك آباؤهم؟ومن هم ورثة الجنين وهل إذا عفوا تسقط الدية؟...علما بأن هناك طفلة عمرها عامين هي أخت لهذا الجنين..والكفارة التي هي صيام شهرين متتابعين هل هي القول الراجح..وما صحة القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالغرة فقط؟..أرجو التفصيل بارك الله فيكم

الإجابة:

الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَن وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:

فإن الجهل بالحكم الشرعي من الأعذار الشرعية، فمن ترك واجبًا وهو لا يعلم وجوبه، أو فعل محرمًا وهو لا حرمته، فإنه يعذر بجهله، ولكن من علم الحكم وجهل العقوبة المترتبة عليه، فإنه لا يعذر بجهل العقوبة؛ والفارق بينهما أن من جهل العقوبة أقدم على المعصية، وانتهك الحرمة وهو يعلم.

فمن جهل حرمة الربا أو حرمة الزنا أو غيرهما حتى وقع في الحرام وهو لا بعلم الحرمة، فلا شيء عليه، وهو معذور بالجهالة، وكذلك من ترك الزكاة أو الصلاة أو الصيام وهو يجهل أنها من فرائض الإسلام، فهذا يعذر بجهله؛ لأن الخطاب لا يثبت إلا بعد البلاغ، لقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، وقال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، ولقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (22/ 42): "ومن علم أن محمدًا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلاغ أولى وأحرى". اهـ.

قال ابن القيم "زاد المعاد " ( 5 / 33 ) "إنَّ الحدَّ لا يجب على جاهلٍ بالتحريم". اهـ.

وقال العثيمين في "الشرح الممتع" (6/417): "أن أحداً زنى جاهلاً بالتحريم، وهو ممن عاش في غير البلاد الإسلامية، بأن يكون حديث عهد بالإسلام، أو عاش في بادية بعيدة لا يعلمون أن الزنى محرّم فزنى فإنه لا حدّ عليه...الجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام، هذا عذر". اهـ.

إذا تقرر هذا، فالذي يظهر أنه لا يجب عليك الدية لجهلك بالحكم الشرعي وهو حرمة الإجهاض بعد نفخ الروح؛ ولظنك أن تشوه الطفل مسوغ للإجهاض.

وعلى فرض أن الدية واجبة عليك، فالذي يظهر من السؤال أن الإجهاض حصل بعلم الزوج وإذنه، وهو مستحق الدية، والإجهاض لكان بعلمه، ولذلك فلا تجب الدية أصلاً،، والله أعلم.