السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. أود أن أسأل هل يجوز لي أن آخذ أكثر من حقي من شخص منعنيه منذ فترة بلغت سنتين حيث أني كنت أعمل لديه ثم حدث بيننا خلاف وطلبت منه الجلوس للتفاوض فرفض أكثر من مرة وظلمني في أخذ مبلغ من المال وقدره خمسة آلاف جنية من راتبي فبعد سنتين من تركي للعمل ظهرت لي فرصة أن آخذ حقي ولكن عن طريق أحد الأشخاص المدينين لصاحب العمل وهذا الشخص عليه دين يبلغ ثلاثين ألف جنيه مع العلم أن صاحب قد فقد الأمل في استرداد هذا المال واتفق معي أن يعطيني المال كله ولكنه لا يعرف أني تركت العمل مع صاحب العمل مع العلم أن ما فعله صاحب العمل تسبب في أضرار علي حيث أني جلست دون عمل حوالي ثلاثة أشهر أو أكثر وكان يجب على دفع أقساط شهرية فاضطررت أن استدين من الناس مع العلم أنه ليس في نيتي أن آخذ المبلغ كله ولكن أريد أن آخذ قيمة الضرر الواقع علي. فأفيدوني بارك الله فيكم.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن كان الحال كما ذكرت، فيجوز لك أخْذُ حقِّك ممَّن ظلمك، وامتنع مِنْ أدائِه إليك، ويَجب عليْك أن تتحرَّى الدِّقَّة ولا تتجاوز الحقَّ الذي لك.

- فمذهب الحنفيَّة - كما في "البحر الرائق" -: "ربُّ الدَّين إذا ظفِر من جنس حقِّه من مال المديون على صفتِه، فله أخْذُه بغير رضاه، ولا يأخُذ خلافَ جِنْسِه كالدَّراهم والدَّنانير". اهـ.

- ومذهب المالكيَّة فيه أربعة أقوال: المنع، والكراهة، والإباحة، والاستِحْباب، كما في "منح الجليل"، ونُقِل عن ابن عرفة قوله: "مَن ظفِر بِمال لِمَنْ جحده مثله، ففيه اضطراب".

- ومذهب الشافعيَّة: له أن يأخُذ من جنس حقِّه ومن غير جنس حقِّه، فإن كان مَن عليه الحق منكِرًا ولا بيِّنة لصاحب الحق، أخذ جنسَ حقِّه، فإن فُقِدَ، أخذَ غيرَه، وباعه واشترى به جنسَ حقِّه، غيرَ متجاوزٍ في الوصْف أو القدر، وقيَّد الشَّافعية ذلك بأمور:

أوَّلُها: أن لا يطَّلع القاضي على الحال، فإنِ اطَّلع عليه، لم يبعه إلا بإذنه جزمًا.

ثانيها: أن لا يقدر على البيِّنة، وإلاَّ فلا يستقلّ مع وجودها بالبيْع والتَّصرُّف.

ثالثها: أن لا يبيعَ لنفسِه.

فإنْ تلف المأخوذ، وكان من غيْر الجنس قبْلَ بيعِه وشراء جنس حقِّه - فهو ضامن؛ لأنَّه أخذه لحظِّ نفسه.

- ومذهب الحنابلة: المنْع، فلو أنَّ لإنسان حقًّا، لم يمكن أخذُه بِحاكم، وقدر له على مال - حرُم عليْه أخذُ قدْر حقِّه.

والرَّاجح: جوازُ أخْذِ حقٍّ لمن لم يتمكَّن من أخْذه إلا بتلك الطَّريقة، سواءٌ من جنس ماله أم من غيرِه؛ لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227].

وفي الصحيحَيْن، عن عائشة - رضي الله عنْها -: أنَّ هند بنت عُتْبة قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح، وليس يُعطيني ما يَكفيني وولدي؛ إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم، فقال: ((خُذي ما يَكْفيك وولدَك بالمعروف)).

وفي الصحيحَين أيضًا، من حديث عُقْبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قُلْنا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم -: إنَّك تبعثنا فننزل بقومٍ لا يُقْروننا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: ((إن نزلتم بقومٍ، فأمَروا لكم بما ينبغي للضَّيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخُذُوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لَهم)).

قال أبو محمد بن حزم في "المحلى": "ومَن غصَب آخَر مالاً، أو خانه فيه، أو أقْرضه فمات، ولم يُشْهَد له به، ولا بيِّنةَ له، أو لَه بيِّنة، فظفِر للذي حقُّه قِبَله بمال، أو ائتمنه عليه، سواءٌ كان من نوع ما لَهُ عنده، أو من غير نوعه، وكل ذلك سواءٌ – ويَجتهد في معرفة ثَمَنه، فإذا عرف أقصاه، باع منه بقدر حقِّه، فإن كان في ذلك ضرر: فإن شاءَ باعه، وإن شاء أخذَه لنفسه حلالاً، وسواءٌ كان ما ظفِر له به جارية، أو عبدًا، أو عقارًا، أو غير ذلك، فإنْ وفَّى بِما لَه قِبَله، فذاك، وإن لم يَفِ، بقِي حقُّه فيما لم ينتصف منه، وإن فضل فضْلٌ، ردَّه إليه أو إلى ورَثَتِه، فإن لم يفعل ذلك، فهو عاصٍ للَّه - عزَّ وجلَّ - إلا أن يُحلِّله ويبريه، فهو مأجور.

برهانُ ذلك: قولُ الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126]، وقولُه تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ} [الشورى: 41، 42]، وقولُه تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 39، 40]، وقولُه تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقولُه تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: 227]، ثُمَّ ذكر حديثَ عائشةَ - رضي الله عنها – السابق، وقال: وهذا إطلاقٌ منْه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لصاحب الحقِّ على ما وجد للَّذي له عليه الحقُّ". اهـ. مختصرًا

قال الإمام القرطبيُّ في تفسيره، عند قولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]: "والصَّحيح: جوازُ ذلك كيفما توصَّل إلى أخْذِ حقِّه ما لم يعدَّ سارقًا، وهو مذهبُ الشَّافعي، وحكاه الداوديُّ عن مالك، وقال به ابنُ المنذر، واختاره ابنُ العربي، وأنَّ ذلك ليس خيانةً؛ وإنَّما هو وصولٌ إلى حقٍّ؛ وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا))، وأخْذُ الحقِّ من الظَّالم نصرٌ له". اهـ.

وقدِ احتجَّ مَن منع مِن الظَّفر بحديثِ: ((ولا تَخُنْ مَن خانك))، وأجيبَ بأنَّه حديثٌ ضعيف؛ ضعَّفه الشَّافعي، وأحمدُ، والبَيهقي، وابنُ حزم، وابنُ الجوزيِّ.

قال الشَّافعي - رحِمه الله - في "الأمّ": "ليس هذا بثابتٍ عند أهْل الحديثِ منكم، ولو كان ثابتًا، لم يكن فيه حجَّة عليْنا"، وقال: "الخيانةُ محرَّمة، وليس من أخَذَ حقَّه بِخائن".

إذا تقرر هذا فيجوز لك أخذ حقك الضائع، ولكن لا يجوز لك أخذ مال كبدل عن الضرر؛ لأنه لا يصح شرعًأ وعقلا أن تكون خصما وحكما، وإنما يحكم لك بذلك عن طريق حكم من أهل اتلعلم الشرعي،، والله أعلم.