السؤال:

السلام عليكم

ما الجواب على اعتراض بعض أهل العلم على فتوى ترك الجمعة والجماعات بسبب تفضي وباء فيروس كرونا، وقوله إن هذا أمر لم يقله أحد من علماء المسلمين طيلة القرون مع ما وقع من الأوبئة والأمراض والخوف، والمساجد هي موضع تَنَزُّلِ رحمات الله، وإغلاق المساجد أمر كبير كما قال سبحانه و تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وكان الأولى في مثل الأحوال التي تمر بها الأمة أن نبقي أبواب المساجد مفتوحة لتنزّل الرحمات، وننصح للناس أن يصلوا في بيوتهم أخذاً بالرخصة، ثم نأخذ الواجب من الاحتياطات لمن يأتي المسجد .

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فإن من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن الضرر يزال، وهذا القاعدة قام على اثباتها القرآن العظيم، والسنة الشريفة، فالإنسان منهى عن أن يضر نفسه أو يضر غيره؛ فروى أحمد وابن ماجه وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، وهو مروي عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وأبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة بنت أبى بكر الصديق، وثعلبة بن أبى مالك القرظى، وأبى لبابة رضى الله عنهم جميعًا، وصححه الألباني في الإرواء، ونقل عن الحافظ العلائي قوله: "للحديث شواهد، ينتهى مجموعها إلى درجة الصحة، أو الحسن المحتج به".

أيضًا فإن قاعدة "الضرر يزال"، من القواعد الخمس الكبار التي يقوم عليها الفقه الإسلامي، فلا يؤمر الإنسان بما فيه ضرر أصلاً، ومن القواعد المنتزعة منها: "الضرورات تبيح المحظورات"، و"متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يعدل إلى أصعبها"، و"الضرر لا يزال بالضرر"، و"درء المفاسد أولى من جلب المصالح"، وقد نصّ على ذلك كل من صنف في هذا الباب، كما في: "الأشباه والنظائر" لابن السبكي (1/ 41 - 45)، "الأشباه والنظائر" لابن نجيم (1/ 88)، "موسوعة القواعد الفقهية" للبورنو (1/ 32)، "القواعد الفقهية" للزحيلي (ص: 31)، "القواعد الفقهية" لعبد المجيد الجزائري (ص: 194)، "القواعد الفقهية" للخليفي (ص: 6)، وغيرها كثير.

وقد بين الأئمة أن معنى القاعدة هو وجوب إزالة الضرر؛ كما قال السرخسي الحنفي في "المبسوط" (20/ 159): "فإن رفع الضرر واجب".

وجاء في "التحبير شرح التحرير" (8/ 3846-3847) للمرداوي: "من أدلة الفقه "أن الضرر يزال"، أي: تجب إزالته؛ ودليلها: قول النبي - صلى الله عليه وسلم  -: "لا ضرر ولا ضرار"، وفي رواية: "ولا إضرار"، وقد علل أصحابنا بذلك في مسائل كثيرة جدًا.

وقد تقدم قريبا أن أبا داود قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث، منها: قوله - صلى الله عليه وسلم  -: "لا ضرر ولا ضرار".

وهذه القاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن نصفه، فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي: حفظ الدين، والنفس، والنسب، والمال، والعرض، كما سبق ذلك وشرحه، وغير ذلك.

وهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد وتقريرها، بدفع المفاسد أو تخفيفها.

مما يدخل - أيضًا - في هذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها، ومن ثم جاز بل وجب أكل الميتة عنه المخمصة، وكذلك إساغة اللقمة بالخمر، وبالبول، وقتل المحرم الصيد دفعًا عن نفسه إذا صال عليه، فإنه لا يضمن، ومنه العفو عن أثر الاستجمار، وغير ذلك مما لا حصر له.". اهـ. مختصرًا.

 أما قول المعترض: (إن هذا أمر لم يقله أحد من علماء المسلمين طيلة القرون، مع ما وقع من الأوبئة والأمراض والخوف)، فغايته عدم العلم بالنزاع، وليس العلم بعدم النزاع! ولا يخفى أن عدم العلم بأقوال العلماء - وقد ذكرنا طرفًا منها في المفتوى المعترض عليها - وعدم العلم بدلالة الكتاب والسُّنة والقياس الصحيح لا يعارض العلم؛ بل العلم يجب تقديمه على كل حال على عدم العلم، ومع دلالة النصوص يمتنع دعوى الإجماع.

فلا يعارضَ ظاهرَ القرآن والسنة والقياس الصحيح والقواعد المجمع عليها، بمثل هذا، أعني ظن الإجماع، أو ظن أن أحدًا من السلف لم يقله.

ولم يذكر الشيخ سببًا لترك العمل بالنصوص الواردة في الفتوى، والقاضية بالمنع من الاجتماع عند تفشي الوباء العام - ولم يذكر فرقًا معنويًا إلا عدم علمه بالقائل به!

وقد حذّر شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه من هذا الخطأ العلمي الكبير، أعنى التسرع في دعوى الإجماع لعدم العلم بالمخالف، ولو طولب المدعي بحكاية المنع عن اثنين أو ثلاثة من الأئمة المتبعين أو غيرهم ما استطاع إلى هذا سبيلاً.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق" (1/ 13-15): "والفرق بينَ المتماثلين،  ونقض العلة بدون مخصص معنوي تُنَزَّهُ الأمةُ أن تجتمع عليه؛ كما نَزَّهَ الله -عزَّ وجلَّ- رسولهُ - صلى الله عليه وسلم - أن يكونَ في حُكمِهِ مثل هذا التعارض الذي يوجب القدح في أحدها؛ إمَّا في دلالة الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وإمَّا في دلالة الإجماع، وكلٌّ من الدلالتين صحيحة، والحقُّ لا يَتعارضُ.

ثم إذا نظرَ في كلِّ إجماع معلوم وجده موافقًا للنصوص لا مخالفًا لها، ولا تجد قطُّ إجماعًا يخالفُ دلالة الكتاب والسنة إلا ومع الإجماع دلالة أخرى من الكتاب والسنة توجب ترجيحها على الأول، فيكون أحدُ النصين ناسخًا للآخر، إمَّا دفعًا لحكمه -وهو النسخ الخاص- وإما دفعًا لظاهر دلالته -وهو النسخ العام- وهذا أصلُ أحمد بن حنبل وغيره من سلف الأمة وأئمتها المتبعين للصحابة، لا يعارضون قط دلالة كتاب وسنة بإجماعٍ، كما فعل أبو ثور وأمثاله، وأحمد كان يقول: (من ادَّعَى الإجماع فقد كذب، وما يُدريهِ أنَّ الناس أجمعوا).

وفي روايةٍ أخرى عنه: (كيف يجوز للرجل أن يقولَ: أجمعوا؟ ! إذا سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم مخالفًا جاز).

وكذلك نقلَ عنه أبو طالبٍ أنه قال: (هذا كذبٌ؛ ما عِلْمُهُ أنَّ الناس مجمعون؟! ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس).

وكذلك نقلَ عنه أبو الحارث: (لا ينبغي لأحدٍ أنْ يدَّعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا).

فأحمد وأمثاله يقولون: (من ادَّعى الإجماع في مثلِ هذا فقد كَذَبَ، وما يدريه أنَّ الناس أجمعوا، ولكن يقول: لا أعلم منازعًا)، وعدمُ علمهِ بالمنازع لا يُزيلُ بهِ ما بيَّنَه اللهُ ورسوله في كتابهِ وسنةِ نبيه من الدلالة البيِّنَةِ لفظًا ومعنى". اهـ.

ثمّ أجاب على قول السبكي: (إن هذا القول قول مخترع) (1/ 175): "له أسوة بما يقوله هو وأمثاله من أقوال تخالف الكتاب والسُّنَّة واتفاق السلف، مع دعواهم أن القول الذي يخالفهم قول مخترع، فليس هذا بأول بدعة يقولونها ويقولون لمن يخالفها إنه مبتدع، فهذا أمر يكثر فيمن يتكلم في الدين في أصوله وفروعه، بغير اعتصام بالكتاب والسنة، بل بما يظنه هو وأمثاله إما إجماعًا وإما رأيًا.

وعامة أهل البدع يخالفون الكتاب والسنة بدعوى إجماع،  أو معقول؛ ولهذا قال أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، هذه دعوى الأصم والمَرِيسي وابن عُلَيَّة. ولهذا المعترض أسوة بهؤلاء المبتدعين وأمثالهم في هذا وغيره، الذين يتكلمون في الدين بلا علم".اهـ.

والحاصل أن الشيخ بنى كلامه على عدم العلم بالخلاف، ولو قال لا أعلم فيه اختلافًا، لكان أحسن.

أيضًا فإن النصوص الواردة في الفتوى المعترض عليه، والقاضية بما هو معلوم في زماننا بالحجر الصحي=  منوطة بعلة دَلَّت النصوص على صحتها، ولا يجوز تخصيص تلك العلة إلا بفوت شرطٍ أو وجودِ مانع، فتكون صور التخصيص مختصة بوصف يوجب الفرق بينها وبين غيرها، وإلا فلا يجوز في حكم أحكمُ الحاكمين -سبحانه- أن يفرق بين المتماثلين، ولا أن يساوي بين المختلفين، ولا يجوز جعل المعنى الموجب للحكم يُوجِبُهُ تارةً ولا يُوجبُهُ أخرى،  هذا تناقض يتنزه الشرع عنه.

أما قوله: (إن المساجد هي موضع تَنَزُّلِ رحمات الله)، فهذا لا ينازع فيه مسلم، بل كثير من الكفار يعلمون هذا أيضًا، ولا يخفى أنه احتجاج بالنص العام مع وجود المخصص، وهو فاسد الاعتبار.

وقوله: (إن إغلاق المساجد أمر كبير قال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [البقرة: 114]).

فهو استدلال غير موفق؛ فالآية الكريمة وردت في حق الكفار، وتشمل كل من اتصف بالسعي في خراب المساجد، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، ومشركي العرب لما صدوا رسول الله عن المسجد الحرام عام الحديبية، والنصارى حينما خربوا بيت المقدس، والطواغيت الذين يغلقون المساجد أو يهدموها أو يحرقونها، والشيعة الذين يحاربون أهل السنة، وغيرهم من أهل الكفر والإلحاد الساعين في خراب المساجد، محادة لله ورسوله، فهل ينطبق هذا الوصف على أهل العلم القائلين بموجب الكتاب والسنة!  

ومن المعلوم بدلالة الحس والمشاهدة أن سرعة انتشار هذا الفيروس كسرعة انتشار النار في الهشيم، وأن وجود مريض واحد بين الأصحاء يترتب عليه انتقال المرض بإذن الله لعشرات وربما مئات الأشخاص، حتى عده المتخصصون أخطر وباء يجتاح الأرض، ومن ثمّ كان الأولى بالشيخ ومن نحا نحوه أن يراجعوا أهل الاختصاص في هذا، قبل التسرع في الاعتراض؛ وقد قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43]، وقال: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر: 14].

هذا؛ ونسأل أن يعيذ المسلمين من جميع الأوبئة والأسقام.