السؤال:

السلام عليكم من فضلكم عندي إستفسار اريد إجابة عندي مشكل أنني أشاهد فيديو المحرمة وبعدها أتوب ثم أعيد المشاهدتها و لكن أشعر بالندم و الحصرة بعد المشاهدة.و أصلي ركعتين توبة ولكن دائما خائفة ان الله لايقبل توبتي من فضلكم ساعدوني هل يقبل الله توبتي و كيف اعلم أنه قبل توبتي من فضلكم ساعدوني

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد دلَّ الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أن من تاب لله توبة نصوحًا، واجتمعت فيه شروط التوبة الصادقة- فإن يقبل توبته، تمامًا كما يقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلامًا صحيحًا، قال الله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب، كمن لا ذنب له)؛ رواه ابن ماجه.

والتوبة الصادقة لا تقبل فقط، وإنما من سماحة الإسلام أن المذنب التائب يكون في عداد المتقين؛ فقال:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 134] ثم ذكر الله من صفات هؤلاء المتقين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]. 

إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة، ولا يلقيه منبوذًا حائرًا في التيه! ولا يدعه مطرودًا خائفًا من المآب، إنه يطمعه في المغفرة، ويدله على الطريق، ويأخذ بيده المرتعشة، ويسند خطوته المتعثرة، وينير له الطريق، ليفيء إلى الحمى الآمن، ويثوب إلى الكنف الأمين.

شيء واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه، وتظلم روحه، فينسى الله، وما دام يذكر الله، ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي، ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي، ما دام في قلبه ذلك الندى البليل- فسيطلع النور في روحه من جديد، وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد، وستنبت البذرة الهامدة من جديد.

وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه، فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة، وبجانب الثقلة رفرفة، وبجانب النزوة الحيوانية أشواقاً ربانية، فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود، ويربت عليه في لحظة العثرة؛ ليحلق به إلى الأفق من جديد.

 ما دام يذكر الله ولا ينساه، ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة! والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة"، والإسلام لا يدعو- بهذا- إلى الترخص، ولا يمجد العاثر الهابط، ولا يهتف له بجمال المستنقع! كما تهتف الواقعية! إنما هو يُقيل عثرة الضعف، ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء، كما يستجيش فيها الحياء! فالمغفرة من الله - ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ - تخجل ولا تطمع، وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار" قاله في صاحب "الظلال" (.1/476-477) متصرًا.

إذا تقرر هذا؛ علم أن ذُنُوبُ العباد وإنْ عظُمَت فإنَّ عفوَ الله ومغفرتُه أعظمُ منها وأعظم، فهي ليستْ شيئًا في جنب عفوِ الله ومغفِرَتِه، فطوبَى لِمَنْ رَجَعَ إلى ربِّه نادمًا مُتحسِّرًا تائبًا، والله تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره.

وقد نص أئمة أهل السنة على أن التوبةَ النَّصوحَ المستوفيةَ لشُروطِها - من الندم على المعصية، والإقلاعِ عنها، والعزمِ على عَدَمِ العَوْدِ إليها - مقبولة وكافيةٌ في مَحْوِ الذنوب، ولو كان أعظمَ الذُّنوب، حتَّى الكُفر والشِّرك إذا تاب صاحبه قَبِل الله توبتَه، ولا بدَّ من أن يَثِقَ العبدُ في ذلك؛ لأنَّ وعد الله لا يُخلَف، وحقُّ الله تعالى في جانب العفو والصَّفح أرجح، فمغفرةُ الله مَرجوَّة، وعفوُ الله مأمول،، والله أعلم.