السؤال:

رجل يعمل طبيبا.. عمره الآن ٧٠ سنة صفاته طوال عمره وحتى الآن كالآتي..حاد الطباع شديد الغضب بدرجة كبيرة.. لا يقف عند حدود الله.. يضع أمواله في البنك الربوي رغم علمه حرمتها ويحتقر أهل العلم والدعاة إلى الله.. كلما سمع حديثا قال الله أعلم من أين يأتون بأحاديثهم هذه هل كانوا يعيشون مع الرسول؟ ويقول سآخذ بالقرآن فقط.. وكان في أول الأمر يقرأ تفسيرا للقرآن لمجموعة من شيوخ الأزهر ثم يبدو أنه رأى فيه ما لا يهوى فقال أنه سيترك حتى التفسير وسيفسر القرآن لنفسه بنفسه بما سيفتح الله عليه!! .. أفطر رمضان كاملا لكي يحصل درجات عالية في امتحانات كلية الطب بالسنة النهائية وحكى ذلك عن نفسه مفتخرا (رغم مرور عقود من الزمان ولم يندم) أنه ذهب لعلماء الأزهر ليفتوه بجواز الإفطار للامتحانات فلم يجدوا له رخصة فقال انه رمى بكلامهم وراء ظهره وقال إن الله غفور رحيم وأفطره حتى لا يكون النصراني أشد تركيزا منه في تحصيل مواد الطب!! ولا يزال على كلامه حتى الآن!!...يقول العمل عبادة وربنا لم يقل لنا نترك العمل وننزل للصلاة..وكان يجمع الصلوات بعد ان يرجع لبيته من عيادته...حياته كلها سوء وباطل ونفاق بما لا يمكن شرحه في كتب..قيل له مرة ( ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا...)...فقاطع المتكلم قائلا المؤمن دا واحد كان زمان ساند ظهره على شجرة !!..حتى أنه يوما ما دخل البيت وكانت آية (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) فأغلق المذياع بعنف وأشاح بيده..وإذا سمعنا عالما من العلماء الذين بصرونا بديننا لم يتركنا إلا وسخر منهم وسبهم ووصفهم بأقبح الصفات..من شدة بغضه لهم. وأيضا يفرق بين أبنائه يقرب الغير ملتزمين ويحبهم ويقسو ويظلم الملتزم بشرع الله وقسم الميراث وظلمنى وهو حى ...حياتى متوقفة بسببه وحاولت المقاومة كثيرا وتحمل أذاه وبره ولكن يعود على بالضرر فى دينى وحياتى ونفسيتى ... سؤالى هل يجوز لى مقاطعة هذا الأب او على الأقل الابتعاد عنه حتى يسلم دينى ودنياى فقربى منه سبب لى أذى نفسى شديد وأثر على دينى وأسرتى وبيتى ...وماحدود صلته حتى أسلم من أذاه ..وجزاكم الله خيرا.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:                                           

فإن كان الحال كما ذكرت، فليس عليك لوم في الشريعة الإسلامية الغراء من نفرتك من والدك، كردة فعل انفعالية لأفعاله التي ذكرتها ، وأخطائه الفادح في حق الله تعالى، وفي حق المتدينين من أبنائه، حتى جعلك تبحث عن مشروعية قطيعته.

ولكن الذي لا يجوز في حق الابن الذي يخشى الله ويتقه أن يقاطع والده مهما فعل؛ لأن المسلم مطالب بطاعة الله تعالى، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، وفيما يحب ويكره، ولوالد إن لم يتق الله في أبنائه، فليس هذا مبررًا لقطيعته.

وتقصير الآباء في اداء حقوقهم تجاه أبنائهم لا يبرر العقوق ولا يسوغ التقصير؛ فإذا كان كفر الوالدين بالله العظيم لا يُسقط حقهم في البر والإحسان فبالأحرى ألا يسقطه ظلمهما أو تضييعهما للأبناء؛ قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 14، 15].

ولكن قد تكون صلة الأب الظالم سهلة بالكلام ولكنها صعبة بالأفعال، وتحتاج لقوة الإيمان بِالقضاء والقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فالإيمان بأقدار الله إنما يكون  فيما يجري على الإنسان ولا حيلة له في دفعه، وهو قوة تبْعَثُ في النفس الطُّمَأْنِينة وإن غابت عنه حكمة الابتلاء؛ قال تعالى:{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}[الحديد/22]، وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:11].  وقال - صلى الله عليه وسلم – "لو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار"، وقال: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

وليكن هجيراك قول النبي: "ماض في حكمك، عدل في قضاؤك"، وهو مصداق لقوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56].

ومعلوم أن ظلم الآباء وعقوقهم للأبناء ومن أقسى أنواع الابتلاء، ولكن المسلم الحق الذي يعلم أن الابتلاء سنة كونية لا تتبدل ولا تتغير، و لا يكاد يسلم منه أحد، فلم يبق إلا الصبر واحتساب الأجر عند الله، واستعن بالله سبحانه.

ولا يلزم من صلة هذا الأب كثرة الخلطة به فيمكنك أن تصله بالحد الأدنى من الصلة، كما يمكنك الاتصال به على فترات متباعدة، وتزوره كذلك في فترات متباعدة،، والله أعلم.