السؤال:

أعمل محامي في مكتب محاماة وأتقاضى أجري كراتب شهري + نسبة من أعمال المكتب التي أشارك فيها. نتسلم احياناً بعض القضايا المالية ومنها قضايا موضوع هذا السؤال. - يأتينا صاحب دين ليطالب مدينه بمبلغ من المال وموضوع هذا الدين - ان المدين يذهب للدائن يطلب منه إقراضه مبلغ من المال (مثلاً 10 آلاف ريال) على أن يرد المدين هذا القرض خلال عشرة أشهر على أقساط مؤجلة ومرتبة. -يبرم معه الدائن عقد بيع سيارة او أرض أو أي سلعة، ويبيعها عليه بنفس أجل الدين وبمبلغ أعلى من مبلغ الدين. - أي ان المدين يرد الدين بعد تمام الأجل أكثر مما استدان (مثلا يرد ال 10 آلاف 15-ألفا) - وأنا لا علم هل يقبض المدين هذه السلعة أم لا، رغم اني سألت الدائن عن هذا الأمر، قال يقبضها المدين) السؤال - هل هذا البيع جائز؟ -هل توكلنا في رد هذا الدين مقابل حصولنا على نسبة من اصل المبلغ جائز (كأتعاب للقضية). - وهل ما أحصل عليه من راتب + نسب من هذه القضايا جائز. وجزاكم الله خيراً

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

 فقد سبقَ بيان حكْم العمل بِمهنة المُحاماة في فتوى سابقةٍ، بعنوان: "حكم العمل في المحاماة".

أما المعاملة المذكورة، فإن كان يغلب على ظنك أن ما قاله الدائن صحيحًا أنه يبيع السلعة بعشرة كاش وبخمسة عشرة بالقسط، فلا بأس من أخذ نسبة من المال المحصَّل كأتعاب للقضية.

أما كون الراتب الذي تتقاضاه عبارة عن مبلغ مقطوع ونسبة من أتعاب القضايا، فهو غير جائز؛ لأن الراتب حينئذ يكون مجهولاً؛ والجهالة أو الغرر في الأجر تبطل عقد الإيجار؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الغرر"؛ كما في الصحيح مسلم.

المغني لابن قدامة (5/ 8)

وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا، صح، نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد. ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا. وكره ذلك الحسن، والنخعي وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة؛ لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها.

وللعامل أجر مثله؛ لأن هذا ليس من أقسام الشركة، إلا أن تكون المضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة في الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها...

ولنا، أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة. وقولهم: إنه ليس من أقسام الشركة، ولا هو مضاربة. قلنا: نعم، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها.

وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع؛ لحديث جابر، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر على الشطر.» وهذا يدل على أنه قد صار في هذا ومثله إلى الجواز؛ لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة، ولا إلى الإجارة. ونقل أبو داود، عن أحمد، في من يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس.

ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئا من ذلك؛ لأنه عوض مجهول وعمل مجهول.

إلى أن قال: "قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع، وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين؟ قال: أكرهه؛ لأن هذا شيء لا يعرف، والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزًا؛ لحديث جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر على الشطر، قيل لأبي عبد الله: فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما؟ قال: فليجعل له ثلثًا وعشري ثلث ونصف عشر وما أشبه". اهـ.

أما كون الراتب مبلغًا مقطوعًا ونسبة من الربح في عقد واحد، فلا يصح عند الجمهور، وعند الحنابلة في الرواية التي عليها أغلب أهل المذهب، وأجاز الجمع بين النسبة والمبلغ المقطوع في رواية عن الإمام أحمد  

وقال في "كشاف القناع عن متن الإقناع" (3/ 553): "(ولا يصح استئجار دابة بعلفها أو بأجر مسمى وعلفها)؛ لأنه مجهول، ولا عرف له يرجع إليه، (إلا أن يشترطه): أي العلف (موصوفًا): كشعير ونحوه وقدره، بمعلوم فيجوز، (وعنه يصح) مطلقًا، (اختاره الشيخ وجمع) كاستئجار الأجير بطعامه". اهـ.

إذا تقرر هذا؛ فلا يجوز أن يكون الراتب الذي تحصل عيه عبارة عن مبلغ مقطوع ونسبة من دخل المكتب؛ لأنه يؤدي إلى جهارة الأجرة، وهو قول أكثر أهل العلم، فإنما أن يجعل الراتب مبلغًا محددًا، أو نسبة من الدخل على الراجح من مذهب الحنابلة،، والله.