السؤال:

اعلم ان المسلم مامور بالتزام طاعة الله في كل احواله وان قدر الله كله خير وان له الحكمة المطلقة في كل افعاله وان الاستدراج بالنعم من سنن الله لكن كيف نفهم ان شخصا متدينا كلما اجتهد في مراجعة القرءان وتدبره بل اذا قام الليل ضيق عليه في الرزق جدا حتى انه يمكث اسابيع بدون عمل فاذا اسرف على نفسه بالمعاصي تفتح له ابواب الرزق (الحلال) فجاة مع انه على وعي تام بان الشيطان يزين له ابواب المعاصي وان الرزق في كل الاحوال من عند الله

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فالذي يظهر أن صاحب هذا الاستشكال لم يفهم معنى الإيمان بالله تعالى، وأنه ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد للنفس والشيطان، وأنه أعني الإيمان يحتاج إلى صبر وجهد، وأن روحه الاستسلام والانقياد لله تعالى، فالمؤمن لا يختبر الله تعالى بعبادته، ويقف في وسط الطريق يطلب من الله ثمن طاعته، ويمنُّ عليه وعلى دعوته، ويستبطىء المكافأة على ما قدم! فإن الله لا يناله من عبادته شيء، وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل؛ كما قال تعالى:{وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6]، وإنما هو فضل من الله أن يعينه، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه.

فلا ينجي المسلم إلا الاعتصام بالله، والتعويل على كمال حكمته وشمول علمه فيما صعب عليه فهمه حتى يمن الله عليه بنور العلم، كما أنه سبحانه لا يسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته وشمول لعلم، وحينما يتعرض المؤمن لفتنة الشبهات أو الشهوات، يثبت ويخرج منها أحسن مما كان؛ فالفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة كونية، ففتنة الشبهة تدفع بالعلم، وفتنة الشهوة تدفع بالصبر، وإلا كان ممن قال الله تعالى فيهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].

كما أن المسلم يشهد أولية الله تعالى في كل شيء، ويشهد سبق فضله وإحسانه، وأنه قبل الأسباب كلها، فيحصِّل حقيقة الافتقار لله، وهذا مفيد جدًا للعبد، حتى لا يرى أعماله، وليصح اضطراره لله، فلا يشهد غير فضل مولاه، وسبق منته ودوامه، فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية بحقيقة الفقر، ويشهد معنى اسمه المنان مع اسمه الأول، فيصير العبد فقيرًا إلى مولاه وينقطع عن رؤية أعمال نفسه فيأته الفرج، وإلا فهل يقول عاقل قد عرف الله وأستقرت حقائق الإيمان في قلبه: إن ترك الاستقامة وتقحم الحرام يحصل الرزق! وأن من استقام أعوز وافتقر.

أما الرزق فهو بيد الله وحده، والإنسان مهما سعى في طلبه، فلن يأتيه إلا ما كتبه الله له سواء رضي أم سخط، آمن أو كفر، استقام أو اعوج!

كما أن السعادة في هذه الدنيا ليست بسعة الرزق كما يظن من لا يعرفها، وإنما هي بالإيمان والرضى وغنى النفس، وتصحيح الإيمان، والافتقار إلى الله والغنى به، فالدنيا بما فيها أهون من أن يضيق الإنسان ذرعاً لقلتها، فهناك الركن الوثيق سبحانه وتعالى، نركن ونفرُّ إليه بالطاعة والتوبة وكثرة الاستغفار وحسن الظن بالله سبحانه.

أما سوء الظن بالله تعالى، فهو مانع عظيم من موانع الهداية، ومانع أيضًا من موانع الإجابة، ومهما ادَّعى المدعون أنهم على دين، فإن الله تعالى هو الغني، فما به من حاجة – سبحانه - إلى إيمانهم وعبادتهم، إنما هي مصلحتهم وفلاحهم؛ قال سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، فله سبحانه الغنى الكامل التام من كل وجه بكل اعتبار، ولم يأمرهم بما أمرهم به لينتفع به، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا عليهم، ولا يناله من عبادة العباد شيء، إلا صلاحهم هم، ولا ينقص في ملكه شيئاً عصيان العصاة وطغيان الطغاة، ولا يزيد في ملكه شيئاً طاعة الطائعين وعبادة العابدين.

ومما يدعو للعجب من رحمة الله تعالى، إن الله الجليل غني عن العالمين، وإن الإنسان الضئيل لهو الفقير المحووج، ولكن الجليل هو الذي يحفل هذا الضئيل، ويتلمسه بعنايته، ويتابعه بدعوته! والغني هو الذي يخاطب الفقير ويدعوه ويكرر دعوته! فيا للكرم! ويا للمنة! ويا للفضل والعطاء الذي لا كفاء له من الشكر والوفاء! 

وتأمل هذا الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظَّالموا، يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه".

هذا؛ وقد دلتْ السنة المشرفة، وواقع الناس أن جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وأن الكافر تعجَّل حسناته في الدنيا؛ ففي الصحيح عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها"، وفي رواية في الصحيح: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته"،، والله أعلم.