السؤال:

خرج عليَّ رجل مسلم، وأراد أن يأخذ منى مالي بالقوة، وأراد أن يقتلني، وأتيحت لي الفرصة كي أقتله؛ ما حكم الدين في ذلك إن قتلته؟

الإجابة:

الحمد لله
من اعتُدي عليه وأريد أخذ ماله، فله أن يدفع عن نفسه، بأيسر طريق ممكن، ولو أدى ذلك إلى قتل المعتدي، لكنه لا يقصد القتل ابتداء.
وقد دل على ذلك ما رواه مسلم (140) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ : «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ». قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : «قَاتِلْهُ» ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ «هُوَ فِي النَّارِ».


قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : " فَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الْحَدِيث. وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء. وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك لَا يَجُوز قَتْله إِذَا طَلَبَ شَيْئًا يَسِيرًا، كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام ؛ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير. وَأَمَّا الْمُدَافَعَة عَنْ الْحَرِيم فَوَاجِبَة بِلَا خِلَاف. وَفِي الْمُدَافَعَة عَنْ النَّفْس بِالْقَتْلِ خِلَاف فِي مَذْهَبنَا وَمَذْهَب غَيْرنَا. وَالْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال جَائِزَة غَيْر وَاجِبَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «فَلَا تُعْطِهِ» فَمَعْنَاهُ لَا يَلْزَمك أَنْ تُعْطِيَهُ وَلَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم الْإِعْطَاء " انتهى.


وجاء في "الموسوعة الفقهية" (32/318) تحت عنوان : القتال دفاعا عن العرض والنفس والمال : " إذَا تَعَرَّضَ شَخْصٌ لِإِنْسَانٍ يُرِيدُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ : فَإِنْ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ بِأَسْهَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ إلَّا بِالْقِتَالِ قَاتَلَهُ، فَإِنْ قُتِلَ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَإِنْ قُتِلَ الْمُعْتَدِي فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ...". اهـ وهذا تلخيص مذاهب الفقهاء، من حيث الجملة، ولهم ـ بعد ذلك ـ تفاصيل فيما يتعلق بالدفع عن النفس أو العرض أو المال من أحكام.


ومعنى الدفع بالأيسر : أنه إن اندفع المعتدي بالقول، لم يجز الضرب، وإن لم يندفع بالقول جاز أن يضربه بأسهل ما يظن أن يندفع به، فإن ظن أن يندفع بضرب عصا لم يكن له ضربه بحديدة، وإن ولى هاربا لم يكن له قتله ولا اتباعه، وإن ضربه فعطله لم يكن له أن يثنّي عليه، فإن خاف أن يبادره الصائل بالقتل، فله أن يضربه بما يقتله ويقطع طرفه. ينظر : "كشاف القناع" (6/154).


وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الآدمي لو صال على آدمي آخر ليقتله أو يأخذ ماله أو يهتك عرضه ولم يندفع إلا بالقتل فله قتله. فإن قال قائل: ما هو الدليل في مسألة الآدمي؟ الدليل: أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلاً سأله وقال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجلٌ يطلب مالي؟ قال: «لا تعطه مالك»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» ، قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»، قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» لكن بشرط: ألا يندفع إلا بالقتل، أما إذا كان يندفع بدون القتل فإنه لا يجوز أن تقتله، كما لو كنت أقوى منه، وتستطيع أن تمسك به وتأسره وتسلم من شره لا يجوز لك أن تقتله، لأنه يدفع بالأسهل فالأسهل " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (82/12) بتصرف يسير.


ومع هذا التفصيل الذي يذكره الفقهاء ينبغي أن تُراعى مسألة أخرى، وهي المفسدة التي قد تترتب على ضرب المعتدي أو قتله، في حال عدم التمكن من إثبات الاعتداء، مما قد يعرض الإنسان للسجن أو العقوبة، أو المفسدة التي قد تنشأ بسبب ثأر المجرم أو ورثته. فقد يكون دفع المال هو أهون الشرّين في بعض الأحيان.
والله أعلم.