السؤال:

 هل يحسب الإنسان التفكير في اشياء جنونيه وحرام ياشيخ

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الشارع الحكيم قد عفى عن حديث النفس، وهي فضيلة إنما للأمة الإسلامية بنص الخبر : "إن الله عز وجل تجاوز لأمتي ما وسوست به وحدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به"؛ متفق عليه من حديث أبى هريرة ، وأخرجه النسائي والترمذي بلفظ:"إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل".

ولكن ْهُذِاُّ الحديث قد ورد في هم الخطرات، وَّهو حديث النفس الذي لا يعقبه عمل؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها، كتبت له عشرًا إلى سبع مائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب، وإن عملها كتبت"

بخلاف " الإرادة الجازمة " الذي لا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، فمثلا لو كانت تلك الأفكار بشأن امرأة، نظرت إليها، أو تلصصت عليها أو كلمتها أو غير ذلك، فإن لم يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله أثيب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى"(7/ 527):

"فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله كما ترك يوسف همه أثيب على ذلك؛ كما أثيب يوسف، ولهذا قال أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار.

 وأما " الإرادة الجازمة " فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور ولو بنظرة أو حركة رأس أو لفظة أو خطوة أو تحريك بدن؛ وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد". اهـ. مختصرًا.

إذا تقرر هذا؛ فمجرد النفكير في أشياء جنونية لا يعاقب عليه الإنسان إلا إذا اقترن بعمل، غير أن المسلم مطالب بصرفها؛ لأن
الخطرات: شأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات، ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة،{كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39].

وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا، من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة، واستجلبها لنفسه وتجلى بها، وهي لعمر الله رؤوس أموال المفلسين، ومتاجر البطالين، وهي قوت النفس الفارغة، التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال، ومن الحقائق بكواذب الآمال، وهي أضر شيء على الإنسان، ويتولد منها العجز والكسل، وتولد التفريط والحسرة؛  قاله الإمام ابن القيم في كتابه"الداء والدواء"(ص: 154-155).

هذا؛ والله أعلم.