السؤال:

أفيدوني أفادكم الله ... لي ثلاثة إخوة (إثنان أكبر مني و واحد أصغر مني) و ثلاث أخوات أكبر مني كلهن، و أخي الذي يكبرني لديه زوجة متسلطة و للأسف هو يسمع كلامها و يفعل ما تريد زوجته حتى أنه في بعض الاحيان يقاطع في أبي رحمة الله عليه بسببها،و كانت دائما تسبب المشاكل مع زوجة أخي الكبير و هي تتحمل منها و عندما تزوجت أنا بدأت المشاكل من أول أيام زواجي فهي تكذب على أخي الذي يأتيني و يبوخني و أنا لاأعيره إهتماما لأنني أعرف أن هذا من زوجته و حفاظا على الرابط الأسري و الأخوي، و كانت تشتكي لأخواتي اللائي هن بدورهن يأتين و يوبخن زوجتي و هي تستحملهم و تتحمل كلامهم و للعلم وصلت بزوجة أخي أن طعنت في عرض زوجتي، و قاطعوني كلهم إلا أنني انا و زوجتي و حفاظا على صلة الرحم إجتمعت بالعائلة كلها و قلت لهم نطلب السماح منكم فلا يجوز أن نقطع الصلة بيننا رغم أنهم هم المخطئون فعادت الحياة إلى طبيعتها إلا أنه و بعد أيام قليلة أتفاجأ بإخوتي و زوجاتهم و أخواتي دخلوا علي البيت و قالوا لي إن زوجتك تريد أن تفرق بينك و بين إخوتك و إما أن تطلقها (و للعلم لدي بنت) و إما أن تقطع علاقتك بنا فقلت لهم لن أطلق زوجتي و لن أقطع علاقتي بكم. و لكن هم من قاطعني الآن. فحاولت العودة لحضن العائلة و لكنهم رفضوني حتى أنهم لا يزوروني أثناء مرضي حتى في العيد ذهبت لأعيد عليهم فلم أجدهم و لم يأتوا لبيتي نهائيا لمدة أكثر من 3 سنوات. من هنا قررت أن لا أزورهم مرة أخرى. فهل أعتبر قاطع رحم أم لا؟ و على من يقع الذنب؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلا يخفى عليك أن قطيعة الرحم من أكبر الكبائر، وقاطع الرحم متوعد باللعن وهو الطرد من رحمة الله سبحانه؛ قال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ* أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 22 - 24].

ومن عمى الأبصارَ عدم الرضَى بما رضِيه الله، من الصلة وكراهة أمر به من صلة، وعدم سماع الحقَّ؛ ففي الصحيحين عن جُبير بن مطعم - رضي الله عنه – "قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "لا يدخُل الجنَّة قاطعٌ"- يعني قاطع رحِم"، وروى البخاري عن ابن الزبيْر - رضي الله عنه -: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - قال: "لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُر أخاهُ فوق ثلاثِ ليال".

فعلى العاقل أن يصِل رحِمه وإن لم يرغبوا، وإن قاطعوه وصِلْهم، وكما قال النَّبيُّ - عليْه الصَّلاة والسَّلام - لرجُل أخبر أنَّه يصِل رحِمه ويقطعونه، ويحسِنُ إليْهم ويسيئون إليه، ويَحلم عليهِم ويغضبون عليه، فقال: "إن كنت كما تقول فكأنَّما تسفّهم فعلى السَّائل احتساب أجْرِ صلة الملّ"، يعني: كأنَّك تجعل في أفواههم الرَّماد الحارّ.

 قال النووي في "شرح مسلم": "ومعناه: كأنَّما تُطْعِمُهم الرَّماد الحارَّ، وهو تشبيهٌ لِما يلحقُهم من الألم بِما يَلْحق آكلَ الرَّماد الحارِّ من الألم، ولا شيء على هذا المُحسِن، بل ينالُهم الإثم العظيم في قطيعتِه، وإدخالهم الأذَى عليه، وقيل: معناه: إنَّك بالإحسان إليْهم تُخزيهم وتحقرهُم في أنفسِهم؛ لكثرة إحسانِك وقبيح فعْلِهم، من الخزي والحقارة عند أنفُسِهم، كمن يسفُّ الملَّ، وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحْسانِك كالملِّ يُحرق أحشاءَهم".

ولعلَّه باستِمرارِك في دفْع الإساءة بالإحسان والصِّلة يشرحُ الله صدْر إخوتك للحقِّ؛ كما قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35].

هذا؛ والله أعلم.